السبت - 19 يونيو 2021
السبت - 19 يونيو 2021
No Image Info

أدباء في عزلة «مؤقتة» من أجل العودة إلى الحياة

يحتاج الكاتب والروائي والفنان إلى الضحك والبكاء والتأثر بكل ما حوله والتعايش مع محيطه بما فيه من مفارقات إنسانية لكي ينضج عمله الإبداعي، ولكن البعض يفضل الانعزال والانفصال المؤقت عن المحيط الاجتماعي، بعيداً عن التشتيت الذهني الذي يقوض الإبداع، كأنه يعيش فترة مخاض في محراب خاص، ليشهد في النهاية منتجاً أدبياً متكامل الأركان. قال كُتاب وشعراء إنهم لا يهربون من الحياة بل يهربون إليها، حيث لا رفيق سوى العقل والروح، ومخاض فكرة لا يحرضها سوى العزلة، حينها فقط تعلو الصرخة الأولى ويتجسد العمل الإبداعي. وأكدوا أن تكوين العمل الأدبي أو الفني لا يمكن أن يتبلور إلا بالانعزال للخلاص من التشتت وتحريض الإبداع ضمن شروط محددة، ولكنها تختلف من شخص إلى آخر.

* طقوس فردية

«لا شك أن الكاتب يحتاج إلى مساحة فارغة حتى يستجمع عناصر القوة في داخله»، بهذه العبارة استهل الروائي الإماراتي علي أبو الريش حديثه، موضحاً أن الروائي أو الكاتب يجب أن يبتعد عن الناس حتى يتسنى له تخيل سماء صافية يخط عليها نجومه الخاصة بالشكل الذي يريده، لا كما يريد الآخرون.


واعتبر أبوالريش الانفصال المؤقت عن المحيط الاجتماعي طقوساً فردية أكثر منها عزلة، وتعتمد بشكل رئيس على الابتعاد عن الضجيج والبشر لاستجماع المفردات اللغوية ومعالجة الموضوع الإبداعي ضمن حيّز ملهم.

* إحساس باليُتم

العزلة بمفهومها المكاني ليست ركناً رئيساً في بناء الإبداع بالنسبة للشاعر الإماراتي أحمد العسم، بل هي إحساس نفسي باليُتم يحيا معه المبدع بعيداً عن البشر.

وأضاف أن العزلة الداخلية هي أكثر ما يحتاجه الأديب ليعيش مع نصه الذي يتمنى ألا ينتهي من كتابته.

وقال العسم إن العزلة الحقيقية ليست تلك التي يصنعها الكاتب قبل ولادة عمله، بل هي الفراغ الذي يعيشه بعد الإنجاز، وما يرافق ذاك الفراغ من تخبطات نفسية لبدء التفكير في عمل جديد يختلف سحره عما سبقه.

ولفت إلى أنه أهدى كتابه الأول إلى البحر الذي كان رفيق وحدته وشريكه في حالة الإبداع.

وأكد الشاعر الإماراتي أنه قرر أن يعيش منذ فترة قريبة عزلة في بيت والده، يلتقي هناك من يريد لقاءه فقط، مشيراً في الوقت نفسه إلى أن الكاتب يحتاج إلى الضحك والبكاء والتأثر بكل ما حوله والتعايش مع محيطه بما فيه من مفارقات إنسانية هي نواة العمل الأدبي.

* تشتت

بينما ترى الفنانة التشكيلية سوزان الخياط أن الكثير من الكُتاب والفنانين التشكيليين يفضلون العزلة لفترة مؤقتة في مكان بعيد عن تفاصيل الحياة اليومية للتفرغ بشكل كامل للعمل الفني، بعيداً عن التشتيت الذهني الذي يقوض الإبداع وبالتالي يطيل الفترة الزمنية للإنجاز.

ولكنها أشارت إلى صعوبة تحقيق هذا الحلم بالنسبة للكثيرين في ظل الظروف الاجتماعية والاقتصادية التي تقف عقبة أمام المبدع العربي عموماً، مؤكدة أن العزلة كسجن اختياري تتطلب أن يكون صاحبها في مستوى مادي جيد، الأمر الذي يُعينه على هذا القرار المكلف. وتطرقت الخياط إلى أن العزلة طريق مختصر إلى الذات، تساعد صاحبها على تكثيف أفكاره ونسجها بالطريقة الأمثل، وإن كانت هذه العزلة مجرد مكان بسيط مستقل يُمكن للفنان الهروب إليه عند الحاجة، للعودة إلى أفكاره وصياغتها وتجسيدها في عمل مبدع.

* خرافة

الفنانة التشكيلية سهام قهوجي تعتبر العزلة المثمرة خرافة، فهذا العالم بما فيه من شبكات ومنصات للتواصل الاجتماعي لا يسمح بهذه الرفاهية التي استطاع جمع من الكُتاب والفنانين استغلالها في زمن ما والخروج بإرث إبداعي متفرد، ليس لأنهم اختاروا العزلة فقط بقرار شخصي، بل لأن تلك الخصوصية من ناحية التواصل لم يعد لها وجود الآن.

وذكرت قهوجي أن العزلة يتخللها إحساس مرير لا يخلو من الخوف من ذكريات الماضي والتفكير في المستقبل لتتكون حالة إبداعية متخبطة، تشكلها مشاعر الندم والأسى وكذلك الفرح والحب. ولفتت قهوجي إلى أن صناعة هذه الحالة أصبحت شبه مستحيلة بوجود الهاتف النقال والبريد الإلكتروني والأخبار المتدفقة من كل زاوية.

واستشهدت الفنانة التشكيلية بكثير من الأدباء والفنانين الذين اعتبروا أن العزلة فن استجماع الذات في هذا العالم الفوضوي، إلا أن له طقوسه الخاصة لاكتشاف قيمة الصمت وقدرته على ترتيب الأفكار واستدعاء النور.
#بلا_حدود