الخميس - 02 أبريل 2020
الخميس - 02 أبريل 2020

"عبث" المغربي يغوص في صراع عبثي فلسفي بين الماضي والحاضر بـ"دبا الحصن للمسرح الثنائي"



شهد مسرح المركز الثقافي بمدينة دبا الحصن العرض المغربي "عبث" لفرقة "بصمات الفن" من تأليف وإخراج إبراهيم روبيعة وتمثيل كل من بوبكر أوملي ومحمد أوراغ، وذلك ضمن فعاليات مهرجان دبا الحصن للمسرح الثنائي في نسخته الخامسة، المقام بين 13-17 فبراير الجاري، وسط حضور جماهيري كبير ولافت.

وتألق نجوم العرض الذين قدموا تجربة أدائية ثنائية سكنت قلوب الجمهور الذي صفق طويلاً بعد انتهاء العرض.


من جهتهم، أكد النقاد في الندوة التي أعقبت العرض أنهم أمام تجربة مسرحية لم يشهدها المسرح المغربي من قبل والسبب إحكام المخرج سبك تفاصيل العرض مشهدياً، مثبتاً قدرته على العبور بالمتلقين إلى الدهشة، في عمل يغوص في صراع عبثي فلسفي بين الماضي والحاضر.

وأجمعوا على أهمية وقوة العرض وهو أمر ليس بغريب على مسرحية اعتمدت على أساتذة متخصصين في تدريس فن المسرح فانتصروا عبر رؤيتهم للمسرح الأكاديمي.

قصة العرض

بعد فراق طويل يلتقي شخصان في مدينة يكسوها الظلام والخراب، حكاية بين زميلين جمعت بينهما الحياة الجامعية وذكريات الشباب والطفولة قبل أن يلتقيا فجأة في مسرح مهجور للتخطيط للقيام بعملية اغتيال، لقاء مغلف بالغموض والخداع والمكر.

وتبدأ الأحداث بالعناق والحب المزيف، لكن سرعان ما تنكشف حقيقة اللقاء وتتصارع الأفكار وتتطاحن الأيديولوجيات ليحتدم الصراع بين الشخصيات وتستمر محاكاة جريمة القتل والعبث بكل ما هو أسمى وأجمل "الحياة".

سينوغرافيا رمزية

استطاع المخرج إبراهيم روبيعة مؤلف العرض تقديم صورة مشهدية منضبطة مستعيناً بقطع الديكور البسيط التي تكاد تكون منعدمة حيث استند بشكل رئيسي إلى الممثلين اللذين استخدما جسديهما بشكل كبير في مناطق الصراع بينهما، كتعبير عن السجن الكبير الذي يعيشان فيه، فكلاهما يعيش داخل سجنه سواء الغربية الحداثية أو المحملة بأفكار متطرفة.

أما الإضاءة والديكور فكان اختيارهما موفقاً من حيث الدلالات الرمزية على نمط العمل المسرحي، فالفضاء المسرحي اعتمد على الصحراء والأعمدة للإشارة إلى العبث وفضاءاته غير المنتهية.

وبدا استخدام الرمال موظفاً في العرض أثناء حالات الصراع، وكذلك "الولاعة" للإشارة إلى اشتعال الفتن في الوطن.

فيما انسجمت الموسيقى عبر تنقلات العرض ونمط الشخصيات والأحداث الدرامية المتنوعة.

سلاسة إخراجية

واعتمد مخرج العمل إبراهيم روبيعة على تقنية الصراع بين الماضي والحاضر، طارحاً قضايا تدور في ظاهرها حول مشاكل إنسانية ووجودية وفي باطنها تحمل نقداً لاذعاً للواقع الاجتماعي والسياسي الراهن.

فالشعور بالغربة في الزمن الحاضر مثّل العقدة الرئيسية التي اشتغل عليها كاتب النص للكشف عن التناقضات بين الأمس واليوم.

وفضّل المخرج وكاتب النص طرح قضايا مؤرقة دون اقتراح حلول، حيث وضع المشاهد في حالة إرباك عندما كشف أمامه حقيقة لعبة التفاوض بين السياسيين التي تنسف بحياة الأبرياء وتحاك بمنطق البراغماتية.

فلسفة "ألبير كامو"

ملامح فلسفة العبث المستوحاة من الفيلسوف والكاتب والروائي الفرنسي الجزائري "ألبير كامو" بدت واضحة في رؤية المخرج، فالحياة عبثية بما تحمله وتنجزه وهي مستمرة دون شك، حيث يوجد طريقان للتعايش مع هذا العبث إما أن تصبح عبثياً غير مهتم لأي شيء، أو أن تصبح شخصاً عادياً يتبخر في الهواء مثل الدخان.

وبذلك انعكست سمات الملامح العبثية والخروج عن المنطق والمعقول على النص والسينوغرافيا من بدايات العرض حتى نهايته عبر اختيار الألوان وتجريد الشخصيات من أي اسم ووضعها في محل النكرة، ما أهلنا إلى مسرح العبثية الذي يكسر الوضوح ويستفز المشاعر بالغموض.

أداء الممثلين

واستمد عنوان العرض من الانتقال العبثي بين المواضيع والثيمات التي شكلت محوراً رئيسياً في بناء العمل، حيث تنقل البطلان بين مواضيع متنوعة ورموز كثيرة لها دلالات لا متناهية، ما أدخل العرض في دهاليز عبثية غير منطقية، وبذلك يتضح لنا أننا أمام مسرح اللامعقول العبثي.

وتنقل الحوار بين الشخصيتين من هاملت إلى عطيل إلى أيام الصبا إلى رواية مزرعة الحيوانات إلى أيام الجامعة إلى الحب ومن ثم استحضار شخصية روميو والتراتيل وأخيراً إلى قضية الاغتيال وذكرى الأم.

وبذلك استلهم المخرج العنوان من المدرسة الفنية العبثية التي كان أداء الممثلين فيها قوياً وحاضراً بامتياز.

عرض مصري

ويستضيف المهرجان، غداً الأحد، المسرحية المصرية "مكان مع الخنازير" لفرقة "كريشن" وهي من تأليف أثول فوغارد، وإخراج جمال ياقوت، ومن تمثيل: محمد مرسي، وآية بدر.

وفي اليوم الرابع من المهرجان، غداً الأحد، تقدم فرقة صلالة العمانية مسرحية "أحلام أبو سلامة" من تأليف وإخراج عماد الشنفري، وأداء تمثيلي لكل من عبدالله مرعي، وسارة فهمي.

وتأتي المسرحية الفلسطينية " بيدور والنقيب" لفرقة "مسرح نعم"، في اليوم الخامس والأخير، بعد غد الاثنين، وهي من تأليف ماريو بينديتي، وإخراج إيهاب زاهدة، ويشارك بالتمثيل فيها: رائد الشيوخي ومحمد الطيطي.

وتعقب هذه العروض ندوات نقدية تقرأ مزاياها الفنية وتوجهاتها الفكرية، وتقام على هامش عروض المهرجان ندوات وورش نقدية وتخصصية، ضمن برنامج ثقافي متكامل يتضمن أيضاً جلسات حوارية أكاديمية لملتقى الشارقة الـ17 للمسرح العربي والذي يقام تحت شعار "المسرح والخيال".

#بلا_حدود