الاثنين - 30 نوفمبر 2020
الاثنين - 30 نوفمبر 2020
No Image

«الرجل الذي باع ظهره».. المعالجة الدرامية منجاة من فخ التكرار المريب

يحيل عنوان فيلم «الرجل الذي باع ظهره» للتونسية كوثر بن هنية، الذي افتتح به مهرجان الجونة السينمائي الدولي دورته الرابعة، إلى اقتباسه من قصة الفنان التشكيلي البلجيكي ويم ديلفوي، الذي اشتهر برسم لوحاته على ظهور الخنازير، قبل أن يرسم واحدة من أشهرها على ظهر رجل سويسري اسمه تيم شتاينر، تحول إلى لوحة حية تجوب المعارض الدولية، ويباع ظهره في مزادات الفن العالمي.



لكن المدهش في «الرجل الذي باع ظهره» هو التشابه بينه والفيلم المصري «محمد حسين»، آخر أعمال الممثل محمد سعد، وإخراج محمد علي، وسيناريو شريف عادل، والتشابه أو التكرار في بعض الأفكار التي يطرحها كلا الفيلمين، مع الفارق الكبير في المستوى الفني وطريقة طرح الأفكار والمعالجة الدرامية بينهما.

هذا التشابه غريب ومريب، خاصة أن مشروع فيلم كوثر بن هنية يتجول بين منصات الدعم في المهرجانات منذ أعوام، وربما يكون تم تسريب السيناريو أو الفكرة بشكل ما، أو ربما تكون مصادفة قدرية!



No Image



يثير «الرجل الذي باع ظهره» أسئلة عديدة حول مفهوم حرية الإنسان وتعريف الفن وحدوده، من خلال قصة معاصرة منسوجة بشكل جيد، إلا أن الفيلم يتعثر عند نهايته في أسئلته الاجتماعية والوجودية التي تظل بلا إجابات مقنعة.

يدور الفيلم حول فنان أوروبي رافض يلتقط مهاجراً سوريا إلى لبنان، ليرسم على ظهره صورة لتأشيرة «شينجن» التي تتيح لصاحبها الدخول إلى أوروبا، وهي التأشيرة التي يحلم بها الملايين من الفقراء والمضطهدين في العالم العربي وبلاد العالم النامي، وهي أيضاً مثل تأشيرة الدخول إلى الولايات المتحدة، أصبحت صعبة المنال هذه الأيام بسبب شدة الإقبال عليها وعدم قدرة ورغبة أوروبا وأمريكا في استقبال المزيد من الراغبين في الهجرة.

الفنان الذي يتخذ من ظهر الشاب السوري لوحة للرسم هدفه السخرية من النظام السياسي العالمي، ذلك أن الفتى المنبوذ الفقير يتحول إلى شخصية شهيرة تتهافت عليها متاحف العالم، وتفتح له أبواب الدخول إلى أي دولة، وإلى شخص ثري يحصل على الملايين من نسبته في الإيرادات التي يجنيها الفنان مقابل عرض اللوحة أو بيعها إلى جامعي التحف الفنية.

No Image



لكن مشهد الشاب المسكين وهو يجلس بالساعات معطياً ظهره للزائرين للفرجة على اللوحة يثير استياء الكثيرين وعلى رأسهم حكومة بلده التي تخجل من تحول أحد مواطنيها إلى رمز للاجئين، مع أن الشاب هرب من الاعتقال في بلده لأنه أعلن عن حبيبته ورغبته في حرية الزواج منها داخل أتوبيس، كما يثير استياء بعض جماعات المدافعين عن حقوق وكرامة الإنسان، رغم أن اللوحة في الأصل هدفها التنديد بما يفعله النظام العالمي بإنسانية وكرامة البشر!

هذه الأفكار يتم التعامل معها بشكل سطحي وبائس في فيلم «محمد حسين»، الذي ينتهي بالبطل وقد قام بتشويه ظهره وإلقائه خطبة وطنية عصماء، على عكس كوثر بن هنية التي تدرك كم التناقضات والالتباسات التي تحملها الحكاية، والتي يمكن تلخيص بعضها فيما يلي: الشاب في الواقعة الحقيقية وفي الفيلمين يقبل بالصفقة سعيداً لأنها ستحقق له الثراء والشهرة، وهو في ذلك يشبه معظم البشر الذين يقبلون بالعمل كأجراء في الأرض، أو عمال في المصنع، أو عارضات أزياء أو راقصات أو ممثلين في الأفلام، مثل بطل الفيلم نفسه يحيى مهايني، الذي يعري ظهره في معظم المشاهد، ولكنه بالتأكيد من أسعد الناس حالياً بعد الشهرة والجوائز والأموال التي انهالت عليه نتيجة نجاحه في أداء الدور.



كوثر بن هنية.



توم شتاينر، أو سام علي، أو محمد حسين، ليسوا استثناء، بل هم غالبية البشر، وليس الشباب المصري أو السوري فقط، والمشكلة التي يطرحها الفنان الأصلي ويم دلفوي، ويطرحها فيلم «محمد حسين» عن جهل وفيلم «الرجل الذي باع ظهره» عن وعي، هي مشكلة الوجود الإنساني كله، فمعظم البشر بشكل أو بآخر يعرضون ظهورهم للبيع، حتى الذين يعتقدون أنهم يفعلون العكس، وهو ما يتضح في الحوار الأخير بين الشاب السوري والرسام عندما يتساءل الأول عن المفارقة الكامنة في قبول النظام للفنان بالرغم من أنه ينتقد ويسخر من هذا النظام، فيجيبه الثاني بأن أسوأ ما يفعله النظام بالرافضين له هو التجاهل.

وما لا يقوله الفيلم أن الأسوأ حتى من التجاهل هو أن النظام العالمي الجديد يمكنه أن يستوعب ويستعبد حتى الرافضين والمتمردين على هذه العبودية! ما لا يقوله أيضاً هو أن مفاهيم الحرية والعبودية نفسها ملتبسة، فما يخجل المرء من فعله قد يكون مدعاة لفخر شخص آخر، والعكس صحيح.



وفي الفن كثيراً ما تعرض ظهور بشرية من أجل هدف نبيل مثلما يفعل الفنان الذي رسم ظهر الفتى، ومثلما يفعل «الرجل الذي باع ظهره» أيضاً.

#بلا_حدود