الجمعة - 03 ديسمبر 2021
الجمعة - 03 ديسمبر 2021
 مات ديمون وآدم درايفر

مات ديمون وآدم درايفر

«المبارزة الأخيرة».. رسالة من زمن بعيد تجسد قضية معاصرة

ينتمي فيلم «المبارزة الأخيرة «The Last Duel، آخر أعمال المخرج البريطاني ريدلي سكوت، إلى الماضي.

تدور أحداث الفيلم في فرنسا القرن الـ14، وبالتحديد عام 1386، ما يذكرنا ببعض أعمال سكوت التاريخية مثل «المصارع» و«مملكة الجنة» و«سفر الخروج» وغيرها.

ريدلي سكوت نفسه، 84 عاماً، واحد من أساطير السينما الأحياء.. برع في تقديم الملحمة التاريخية والخيال العلمي والحربي والاجتماعي والسياسي، وصنع ما يزيد على 50 فيلماً على مدار أكثر من نصف قرن، بجانب مسلسلات تلفزيونية وأعمال قصيرة ووثائقية عدة.





«المبارزة الأخيرة» ليس فقط عملاً تاريخياً يدور في الماضي البعيد، ولكن يبدو أيضاً (على الأقل ظاهرياً) فيلماً قديماً ينتمي للتسعينيات بصرياً، وللخمسينيات من ناحية موضوعه.

تدور أحداث الفيلم المقتبس عن رواية بالاسم نفسه من تأليف إريك جاجر صدرت 2004 حول واقعة تاريخية يقال إنها كانت آخر مبارزة «قضائية» حتى الموت يسمح بها في فرنسا، وتعبير «مبارزة قضائية» يشير إلى نوع من المبارزات يقوم فيها أحد الطرفين المتنازعين في المحكمة على طلب المبارزة الفردية لحسم النزاع.

الواقعة تقول إن الفارس المحارب جان دي كاروج (مات ديمون) تحدى صديقه وزميله الفارس جاك لوجري (آدم درايفر) بعد اتهام زوجة كاروج (جودي كومر) للثاني بأنه اغتصبها أثناء غياب زوجها.

يضطر كاروج لطلب المبارزة لإدراكه أن المحكمة لن تنصفه نظراً لعلاقة المتهم الجيدة بحاكم المقاطعة (بن أفليك) وقربه من رجال الدين الذين كانوا يشاركون وقتها في التحقيق وإصدار الأحكام.

لكن هذا ليس موضوع الفيلم الأساسي، بل مجرد استخدام للواقعة لقول شيء آخر. على مدار ساعتين و20 دقيقة يروي ريدلي سكوت الواقعة 3 مرات، في 3 فصول: الأول من خلال وجهة نظر كاروج، الثانية من خلال وجهة نظر لوجري، والأخيرة من وجهة نظر مارجريت، زوجة ماروج.



ولكن هل تذكرك هذه الفكرة بشيء؟ نعم، إنها تكاد تكون نسخة من فيلم «راشومون»، تحفة الياباني أكيرا كوروساوا، المصنوع عام 1950، والذي أحدث ثورة في أساليب السرد وقدرة فن السينما على التعبير عن النسبية أو تعدد وجهات النظر، حيث يعرض الفيلم وقائع محاكمة لساموراي صعلوك قام بقتل ساموراي أرستقراطي في الغابة و«اغتصب» زوجته، من خلال وجهات نظر الأطراف الثلاثة.

لماذا يقرر ريدلي سكوت أن يصنع فيلماً تاريخياً، يبدو كما لو كان إعادة إنتاج لفيلم معروف صنع منذ أكثر من 70 عاماً؟

رغم مرور أكثر من 6 قرون على الواقعة التي يرويها الفيلم، إلا أنها تذكر المشاهد على الفور بوقائع الاتهامات والمحاكمات التي راجت في السنوات الماضية بالاغتصاب والتحرش والاستغلال الجنسي، والتي تحولت لحملة بعنوان # Me Too، وأثارت نقاشات واسعة حول تعريف التحرش وقواعد العلاقات بين الجنسين ووجهات النظر المختلفة التي ترى بها الأطراف المتنازعة هذه العلاقات.



في «المبارزة الأخيرة» تفصيلة دقيقة تتعلق بواقعة الاغتصاب: في الرواية التي تشرح وجهة نظر المتهم لوجري يدرك أن الضحية تعترض على اقتحامه لمنزلها ومحاولة مواقعتها، ولكنه، من وجهة نظر الرجال وقواعد سلوك نساء الطبقة الأرستقراطية آنذاك، يرى أن اعتراضاتها هي سلوك محتشم طبيعي لامرأة من هذه الطبقة، وليس معناها أنها معترضة حقاً. أن كلمة لا ليس معناها لا، وأحياناً يكون معناها نعم في عالم العلاقات العاطفية. وهي وجهة نظر تتردد اليوم أيضاً على ألسنة البعض.

في هذه النسخة لا نكاد نرى وجه المرأة أثناء المواجهة، ذلك أن الرجل لا يرى سوى ما يريد أن يراه، أما في النسخة الأخيرة من الحكاية التي تروي وجهة نظر الزوجة، فتعرض لنا الكاميرا زاوية أخرى، لمحاولاتها الجدية للفرار والاعتراض والصراخ، ولكن مرة أخرى، حتى ونحن نصدقها، يمكن أن نفهم أن الأمر يمكن أن يكون ملتبساً أحياناً، خاصة بالنسبة للرجال الذين يتربون على أفكار من نوعية «يتمنعن وهن الراغبات» و«السكوت علامة الرضا» وغيرها من المقولات التي تكرس ثقافة التحرش.

كما يمكن أن نفهم أيضاً كيف تستغل بعض النساء هذه الثقافة لنيل ما تريده مع اعتبار نفسها ضحية!



يناقش فيلم «المبارزة الأخيرة» قضية أخرى تتعلق بكتابة التاريخ، فالواقعة التي يرويها الفيلم لها مصادر كثيرة، ولكنها تختلف وتتناقض فيما بينها، ويصعب أن يعرف المرء ما حدث حقاً. ورغم أننا في زمن الكاميرات والإنترنت والسوشيال ميديا فإن الأمر لا يختلف كثيراً، فالمصادر التي تتناول واقعة واحدة قد تتعارض وتتصارع فيما بينها، رغم اعتمادها على نفس الصور والفيديوهات!

«المبارزة الأخيرة» يأتي من أعماق الماضي البعيد، ليحدثنا عن عصرنا، ولكن الرسالة لا تصل بسهولة، بسبب طول زمن الفيلم وبطء إيقاعه، وصعوبة تلقيه من قبل جمهور السينما الحالي.