الأربعاء - 07 ديسمبر 2022
الأربعاء - 07 ديسمبر 2022

جدوى القراءة.. وحسرة العارفين

جدوى القراءة.. وحسرة العارفين
فريد لفتة كابتن طيار ـ العراق

سأسرد لكم قصتي مع القراءة وكيف بدأتها، وُلدتُ لعائلة تعشق القراءة والثقافة، وكانت لدينا مكتبة عملاقة تراكمت فيها الكتب، لكن كانت كالفاكهة المحرمة حيث لا يقربها الا من بلغ رشده أو من لديه وعياً مبكراً، لكني كنت أصغر عمراً من أن أدخلها، حيث كنت أبلغ حينها الثامنة من عمري، ولفضولي الكبير اتجهت صوب تلك الغرفة الممنوعة، وتجرأت وتسللت لها خلسة وقطفت إحدى ثمارها المسحورة، ولأني كنت خائفاً ومتوتراً أخذت أول ما مسكت يدِي وكان كتاب «البؤساء - ڤيكتور هيغو».

كنتُ أنتظر حتى ينام الجميع وأبدأ إبحاري بين أمواج الكلمات.. صحيح أن الكتب التي كنت أقرأها صعبة علي، وذات لغةٍ معقدة، ولكن شغفي ساعدني لأشعر بما تشتمل عليه من لذائذ الدراية وأطايب الإدراك.


وفي إحدى الليالي وأنا غارق في القراءة، إذ بعمي «أبو زيد» يقبض عليَّ بالجرم المشهود ممسكاً بكتابٍ أقرأ فيه، فقال لي:


ــ لا تخف فما أريد بك إلا نصحاً.

فقلت: هات أقتبس من هديك.. فقال «أعظك بألا تقرأ مزيداً».. فأجبت بأنني صُرعت عشقاً بالقراءة، فقال: إذن سبق السيف العذل.

ومذاك وأنا أقرأ، ولا أزال حائراً فيما لو عاد بي الزمن: هل سأختار الاستمرار في القراءة؟.. أحياناً أكون نادماً على قطفي تلكم الفاكهة المحرمة وأحياناً أُخر أرى أنها آتت أُكلها.

وعلى خلفية ذلك ترادوني جملة من الأسئلة، منها: هل ترى أن عمي كان محقاً في قول: زيادة المعرفة ليست في صالح الفرد وتزيد من بؤسه؟ وهل كان العالم ولا يزال يسير بالمقلوب فيزيد من حسرة العارفين؟ وهل قلة الدراية تجلب السعادة والطمأنينة؟

هنا يحضرني قول أبي الطيب المتنبي:

ذو العقل يشقى في النعيم بعقله

وأخو الجهالة في الشقاوة ينعم