الثلاثاء - 17 مايو 2022
Header Logo
الثلاثاء - 17 مايو 2022

الرياض وأبوظبي.. وصناعة القرار العربي

الرياض وأبوظبي.. وصناعة القرار العربي
بقلم: عبد الله العولقي كاتب ـ السعودية

في تاريخ الأمة العربية الحديث، أزمات جمة عصفت به، سواء في غرب آسيا أم في شمال أفريقيا، ولعل ملحمة تأسيس المملكة على يد الملك الراحل عبدالعزيز بن عبدالرحمن آل سعود، رحمه الله، تظل قصة عصرية خالدة تحضر بقوة في الذهنية العربية كنموذج مثالي للدولة العربية الناجحة، ثم تبعه الشيخ الملهم زايد بن سلطان آل نهيان، رحمه الله، بملحمة اتحادية أخرى، لا تقل عن سابقتها بحضورها المشرق في تاريخ العرب الحديث.

لقد واتتني فكرة المقال بعد أن تفاجأت أثناء تصفحي لمنصات التواصل الاجتماعي بزمرة من التغريدات والمقاطع التي تهاجم المملكة والإمارات بضراوة غير مشهودة، وتحاول وبصورة ممنهجة أن تغير حقائق التاريخ، وأن تلصق بالرياض وأبوظبي بعضاً من مآسي العرب وفشلهم في تحقيق وحدتهم في المنطقة، مع أنهما صمدتا أمام العواصف الهوجاء، ونجحتا في أن تكونا قوتين إقليميتين واقتصاديتين في المنطقة، وبذلك تمكنتا من الحفاظ على الهوية العربية بثقافتها الأصيلة ونكهتها العروبية الخالصة من شوائب التغريب الأجنبي ودعاوى التفريس الإيراني أو التتريك العثماني.


لقد عاشت الشعوب العربية في القرن المنصرم أزمة نفسية حادة سببها الاحتلال الصهيوني لأرض فلسطين، وعلى إثر تلك الأزمة السياسية قامت الانقلابات العسكرية المشؤومة على الخريطة العربية والتي تأسّست على فرض منهجية الفكر اليساري قسراً وعنوةً على الذهنية العربية، كما نصب الإعلام اليساري نفسه كلسان مترجم عن واقع الشعوب والثقافة العربية.


وبعد أفوله القسري وتراجع شعبيته بين الشعوب العربية، نشطت حركات التأسلم السياسي وتفاقمت أنشطتها الحركية، فوجدت الفرصة لملء الفراغ الوجداني العروبي، وتعاطفت معها بعض الأطياف الشعبية الاجتماعية، التي كانت تعاني من فرضية الإقصاء إعلامياً و سياسياً، إضافة إلى أن بعض رموزها ومرجعيَّاتها كانت تقبع في غياهب السجون إبان الحكم اليساري، ولهذا استغلت الحركات المتأسلمة فكرة ادعاء المظلومية، وبعد تشعبها جماهيرياً في منطقتنا العربية قدمت نفسها كمشروع سياسي بديل، وعندها شرعت بالتصادم مع الواقع السياسي والاجتماعي العربي، لأنها في جوهرها تفتقر إلى قراءة الواقع وتفتقد إلى أبجديات السياسة الدولية، وأيضاً لأنها تعاني من كثرة الانشقاقات البينية والخلافات القيادية.

وبعد اندلاع أحداث الربيع العربي برزت نواياها الكامنة، وتبين أنها مجرد حالة اختزال لمشروع أجنبي، وأن قياداتها الدِّيكُورية تتقزم كأدوات عبثية بيد المرشد الإيراني، أو كقوة ناعمة لأوهام الخلافة العثمانية التركية.

وأخيراً.. وبقراءة حصيفة لتاريخ اليسار العربي وحركات التأسلم السياسي نجد البون بينهما شاسعاً في المنهجية، بل لا نجد بينهما من القواسم المشتركة سوى عدائهما للرياض وأبوظبي، وبهذه القراءة المتأنية نجد تراجع شعبيتهما بين الجماهير العربية، يعود لكون الأفول الشعبوي للفكر اليساري أو التأسلم السياسي جاء بعد تجارب مريرة للشعوب التي تورطت بزيف شعاراتهما الخادعة، بينما الذاكرة العربية لا تزال تحتفظ بالهجوم غير المبرر للأبواق التي هاجمت الرياض وأبوظبي منذ الستينات حتى اليوم.

هنا يحضر السؤال التاريخي بقوة.. أين هم اليوم؟ أين الجعجعة القومية؟ وأين وعود الإخوان والأحزاب المتطرفة؟.. لقد ذهبت جميعها في فضاء التاريخ المندثر بينما بقيت الرياض وأبوظبي لأنهما المخلصتان والصادقتان لقضية فلسطين، ولأنهما تمتعتا بسياسة الحكمة وقراءة الواقع، ولهذا وبعد تساقط المشاريع الصوتية في السياسة العربية، أصبحت الشعوب العربية على قدر عالٍ من الوعي، وأدركت أن الرياض وأبوظبي هما حاضنتا العروبة وصناعة القرار العربي.