الخميس - 09 أبريل 2020
الخميس - 09 أبريل 2020
PSX_20200226_160724 ما يطلبه المتابعون
PSX_20200226_160724 ما يطلبه المتابعون

ما يطلبه المتابعون

بقلم: رنا سعادة أستاذة لغة عربية ـ الإمارات

لا تكترث بالمحتوى المفيد فلم يعد المضمون مهماً، ولم تعد الأفكار ذات قيمة، فكلما ابتعدت عن العمق ازداد الطلب عليك، وكلما تعمقت في كنه الأمور أصبحت رجعياً تقليدياً مملاً وروتينياً.

هذا هو التغيير المطلوب في عصر التكتوك Titok: تطبيق جديد تتواصل من خلاله مع أشخاص من كل بقاع العالم، يتابعونك فتزيد فرصتك في كسب الملايين وتصبح مشهوراً بضربة حظ تخلو من المحتوى المفيد غالباً.


لا تحتاج في هذا التطبيق أن تصبح محللاً سياسياً أو رياضياً أو عالماً أو فناناً، أو موجهاً أو تربوياً، فقط قم بإنشاء حساب وانتقِ أصواتاً وحوارات مضحكة أو أغنيات أو مشاهد تمثيلية، غايتها في الغالب الإضحاك وقتل الوقت، وقلّدها بطريقتك، وبرمية لا إلى هدف، ومن خلال المتابعين تصبح مشهوراً، فالمحتوى المفيد ليس شرطاً من شروط الشهرة، مع ما وصلت إليه بعض وسائل التواصل الاجتماعي المستجدة غير المشروطة بأخلاقيات أو آداب أو قوانين.

فقد يكسب شخص ما الملايين لأنه يملك من الجرأة وعدم التهذيب ما لا يمتلكه غيره، ثم يطفو على السطح كلوح خشب نخرته الرطوبة.

وهكذا يصبح السطح مكاناً للمشهورين في هذه المنصة، ومع كل الغث الذي اكتسح هذا التطبيق نجد السمين قد ضاع حين حاول ادخار العقل في إنتاج الثمين.

أمثلة ذلك كثيرة، ولكن أحدثها انتشار مقاطع لطفلة في مقتبل مراهقتها تشتم الجمهور، وتهينهم بأقبح الألفاظ، وتصك آذان المشاهدين بحنجرتها القاذفة للأصوات المزعجة.

ثم انتشار مقطع مصور لشاب يهز كتفه على أغنية مشهورة ويضحك بصورة هستيرية.

أو ذلك الحساب لشاب مشهور قد تحول إلى فتاة مولعة بمساحيق التجميل، وبات يقلد حركات الغواني والراقصات ويستقطب ملايين المتابعين.

أو يوميات شخص مشهور طمرته الشائعات فبدلاً من أن تدمره، استغلها بطريقة مادية بحتة، فجعل يستقطب الجمهور بظهوره في مشاهد تعكس اضطراباته النفسية والعاطفية، فأصبح كل ما يذيع وينشر مادة غنية لمنصة القيل والقال الخاصة به.

آلاف مؤلفة من الحسابات المفرغة من محتواها الفكري، الهابطة هبوطاً اختيارياً لا اضطرارياً.. فرصة ذهبية للكسب السريع بحسب رغبات المتابعين الذين يؤكدون بمتابعتهم لهؤلاء أن ذلك الابتذال هو بالفعل: ما يطلبه المتابعون.

مشاهد تافهة تصبح(ترند) في غضون أيام فتدر على أصحابها الملايين.

أنلوم المتابعين أم نلوم مبتدع التطبيق؟.. أأصبحنا نستمرئ المستوى الهابط أم أن الكسب السريع يقتضي ذلك؟ أو كما يدعي المروجون لهذا الهبوط عبر الأزمنة بقولهم:

ـ هذا ما يطلبه الجمهور!

والآن ومع عصر (سوشال ميديا) يصلح أن نقول:

ـ هذا ما يطلبه المتابعون!

أنلوم الزمن؟.. وما ذنب الزمان إن كنا من يعيشه، ونبتدع ما فيه من صرعات وتقليعات لا معنى لها:

نلوم زماننا والعيب فينا وما لزماننا عيب سوانا

ونهجو ذا الزمان بغير ذنب ولو نطق الزمان لنا هجانا

إعصار جارف سحب شبابنا، ووضع تحدياً خطيراً وجديداً من نوعه أمامنا: أمام الآباء والأمهات والمعلمين، وضاعف الصعوبات التي يواجهها المربون في عصرنا المتسارع هذا!

ولعلنا لا نبالغ حين نقول: إن نتائج هذه المواقع والتطبيقات تكاد تكون كارثية على أطفالنا وأبنائنا، ولكن وميض أمل يشرق من بعيد يسوقنا نحو بشارات الخير حين نجد بعضاً من أبنائنا يشاطروننا الرأي في تفاهة المحتوى المطروح فيها، فنقف لنلتقط نفساً عميقاً قبل أن تعصف بنا صرعة جديدة تنتظر جيل الشباب، وتنغِّص علينا مساراتنا التربوية التي تسير في اتجاهات شتى، محاولة ردم الهوة، وتصحيح المسار، وترميم الأخلاقيات لإنقاذ ما يمكن إنقاذه.

للنشر والمساهمة في قسم الساحة: alsaha@alroeya.com

#بلا_حدود