الخميس - 09 أبريل 2020
الخميس - 09 أبريل 2020

رسالة الرسول لهرقل.. وشيفرة كلمة «الآريسيين»

بقلم: محمد سعدي كاتب ومحامٍ ـ الجزائر

لقد ظلت كلمة (الآريسيين) التي استعملها الرسول، صلى الله عليه وسلم، في رسالته إلى هرقل عظيم الروم مجهولة، ومحل تجاذبات إلى حد الساعة، خاصة أن الرسول لم يستعمل كلمتي (المسيحيين والنصارى)، وكثير ممن بحثوا في كلمة (الآريسيين) نسبوها إلى الأب (آريوس) المعروف بانشقاقه عن الكنيسة الكاثوليكية، ولكن هؤلاء لم ينتبهوا إلى أمر مهم، وهو: أن الرسول، عليه الصلاة والسلام، لا يمكنه بأي حال من الأحوال أن يستعمل كلمة لا تتماشى ووحدانية الإله.. صحيح أن الأب آريوس كان فعلاً منشقاً عن الكنيسة الكاثوليكية التثليثيّة ولكنه لم يفصل فصلاً نهائياً في جزئية (أبوة الله عز وجل للنبي عيسى عليه السلام) وهو إشكال لا يزال قائماً لدى البعض.

إشكال مصطلح الآريسيين، تم فك لغزه من طرف الباحث الجزائري عبدالسلام صحراوي في كتابه: «دور الباحثين الغربيين في اكتشاف معجزة القرن الواحد والعشرين في فك الشيفرة لرسالة المصطفى نبي آخر الزمان إلى هرقل الروم إمبراطور روما»، الصادر حديثاً، وفيه تعرّض بالتفصيل لمصدر كلمة (الآريسيين) التي ذكرها الرسول في رسالته، حيث ذكر ما يلي: أنه خلال سنة 305 ميلادية ظهر قسيس مسيحي من مواليد مدينة نقرين (ولاية تبسة بالشرق الجزائري) مرجعه الإنجيل الصحيح، انشقَّ على الكنيسة الكاثوليكية وأنكر التثليث ونادي بوحدانية الله عز وجل وأن عيسى، عليه السلام، ما هو إلا نبي مثل من سبقوه من الأنبياء والرسل كما ناصب الاستعمار الروماني العداء، وجمع حوله المسحوقين من النوميديين (السكان الأصليين للجزائر)، من فلاحين بسطاء وعبيد وعمال مزارع الإقطاع الروماني، وأعلن الثورة ضد الكنيسة المرومون والإقطاعيين، وسميت هذه الثورة (بثورة الدوارين) وهم الجماعات الثائرة التي كانت تدور حول مزارع الإقطاع، وتقوم بسرقة المحاصيل وتوزيعها على الفقراء والمساكين من النوميديين المستعبدين والمستغلين من طرف الإقطاع الروماني وقته.


أولئك عرفوا باسم (الآريسيين) أي الحراثين أو الفلاحين باللغة الآرامية، لأن كلمة (آريس) هي كلمة أرامية مستعارة فقط وليست كلمة عربية، وقد استعملها الرسول، صلى الله عليه وسلم، بوحي أوحي إليه، حتى يتمكن من التأثير على ضمير هرقل بواسطة اللغة المكتوب بها الإنجيل الصحيح والأصلي، ومن ثم تذكر بالمسيحية الآريسية الصحيحة غير المحرفة، والتي كانت وقتها قد انتشرت انتشاراً كبيراً في المغرب والمشرق انطلاقاً من مدينة نقرين بفضل دوناتوس النقريني وأتباعه من الآريسيين (الحراثين).

والمؤكد أن هرقل آمن فعلاً برسالة الإسلام، ولكنه لم يعلن إسلامه علانية خوفاً من حاشيته ومواطنيه، وهذا ما أكده لأبي سفيان عندما دعاه وسأله عما يعرفه من خصال عن محمد، صلى الله عليه وسلم، ووقتها لم يكن أبوسفيان قد أسلم بعد إلا أنه كان كثير التردد على دمشق للتجارة.

هذه لفته تاريخية دينية أردت من ورائها فتح المجال لإعادة قراءة التاريخ الديني، خاصة فيما يتعلق بالفتوحات الإسلامية بشمال أفريقيا خاصة وهي الفتوحات التي كُتب تاريخها بطريقة (دونكشوطية) لا علاقة لها بالحقيقة، ذلك أن الفاتحين الأوائل وجدوا أمامهم في شمال أفريقيا نوميديين دونيتيين موحدين معادين للروم البيزنطيين، ما سهَّل عليهم نشر الإسلام والعربية، وطرد الاستعمار البيزنطي، وأن ما يُحكى عما وقع بين النوميدي كسيلة والعربي عقبة بن نافع، كان بعد إسلام كسيلة وتصرفات عقبة الشخصية ضده، وهو صراع بين قائدين عسكريين، ولا علاقة له بالعقيدة الإسلامية على الإطلاق.

والخلاصة، أن تناول موضوع الآريسيين بالبحث هو حديث ذو شجون، ويحتاج إعادة طرحه من جديد في إطار إعادة نبش الموروث التاريخ الديني المفترى عليه.

للنشر والمساهمة في قسم الساحة: alsaha@alroeya.com

#بلا_حدود