الثلاثاء - 02 يونيو 2020
الثلاثاء - 02 يونيو 2020
PSX_20200401_020158 جزائر الغد
PSX_20200401_020158 جزائر الغد

جزائر الغد.. وأيديولوجياتها الثلاث الكبرى

بقلم: محمد سعدي كاتب ومحام ــ الجزائر

لقد ظلت جزائر منذ استقلالها عام 1962 تعيش" حزبيا" على اجترار أطروحات الأيديولوجيات التقليدية، التي كانت منتشرة قبل الثورة التحريرية، رغم اعتماد نظام الحزب الواحد عشية الاستقلالـ، وظل كل سياسي" يبكي على ليلاه" في السر والعلانية وفي الكولسة وبطرق أخرى مختلفة، حتّى توصل بعض من الثوار السياسيين هاجر إلى الخارج، وهناك أنشأ حزْباً، ومن ذلك على سبيل المثال: السادة التاريخيين(حسين آيت أحمد، وكريم بلقاسم، ومحمد بوضياف).

واستمرت الحال كذلك حتى سنة 1989م، حين انطلق الانفتاح على التعددية والديمقراطية لأول مرة في الجزائر بعد الاستقلال على ضوء" دستور 1989م الارتجالي"، حيث تم اعتماد أكثر من 60 حزبا سياسيا جديدا بطرق عشوائية، ودخلت الجزائر في مرحلة" الانبات الحزبي الطَّحْلَبي" بدون مقدمات.


نتيجة لذلك، أصبح الكل ضد الكل، والكل ضد السلطة الحاكمة، وتدخلت أصابع السلطة وتلاعبت بالمشهد الحزبي السياسي، مع تغليب بعض التيارات الحزبية علي البعض الآخر بطرق مختلفة، فيها الظاهر وفيها المستتر، مع التركيز على تقزيم أحزاب رفضت الدخول إلى بيت الطاعة، أو رفضت التناغم مع بعض الأيديولوجيات المستوردة بمختلف مشاربها التغريبية منها والمشرقية.. إلخ.

من ناحية أخرى تم فتح المجال واسعا ـ وفي جميع الميادين ـ لتيارات حزبية معينه، صاحبة ارتباطات مشبوهة، والتي كانت لها مراكز قوى خفية داخل دواليب السلطة، وبلغ العفن" التحزبي ــ السياسي" ذروته خلال العشرين سنة الأخيرة (مرحلة العصابة والشرذمة)، ووقع (التزاوج )اللاَّشرعي واللاَّمشروع بين أحزاب ذات أيديولوجيات مختلفة ومتباينة، هدفها الوحيد هو (عهدة خامسة ) لرئيس متآكل ومستهلك من جميع الجوانب، وعندما اتضحت استحالة ذلك تحركت الآلة القديمة، والتي حركت أحداث سنة 1988م من أجل إعادة استنساخ التجربة، وفرض الأمر الواقع.

وهكذا إذن، خرج الشعب الجزائري فجأة إلى الشارع بدون مقدمات، لكن قيادة الجيش الجزائري تفطنت للخدعة ولم تُجَارِ العملية كما فعلت سنة 1988م، وفضلت الانضمام لصوت الشارع البرئ، وتم افشال المناورة، مع الغياب التام للأحزاب السياسية، وهي نتيجة طبيعية كانت منتظرة وتم الحكم شعبيا على إفلاس الطبقة السياسية ـ المصطنعة ـ جملة وتفصيلا، وعدم مسايرتها للحركية التاريخية للمجتمع الجزائري المتحرك بسرعة، وهو الحكم الذي صرح به في وقتها علانية الراحل الفريق أحمد قايد صالح رحمه الله قائد الأركان ونائب وزير الدفاع، وقد اتضح ذلك جليا في انتخابات 12/12/2019م الرئاسية، التي أظهرت عملياًّ عدم مقدرة أيّ حزب سياسي على إنجاح أي مترشح متحزب.

هنا نصل إلى القول: أن تجربة التعددية في الجزائر فاشلة بكل المعايير، بداية من سنة 1989م إلى اليوم، وأظن أن الإبقاء الحال على ما هي عليه من تشرذم سياسي وحزبي لن يجدي، لذلك لابد من تقنين دستوري واضح وجديد لمفهوم العمل الحزبي والسياسي على ضوء التوجهات الأيديولوجية التقليدية المعروفة، وهي :

-التيار" الفرنكوــ يساري" بكل تفرعاته المعروف باسم (التيار الديمقراطي)، والذي يؤمن بمشروع الصومام (20 اوت| أغسطس 1956م).

- تيار جماعات" مفهوم دولة الخلافة" بكل روافده (خليط بين مشاريع إسلامية مختلفة).

-التيار الوطني النوفمبري ــ الباديسي، وهو الذي يؤمن بمشروع بيان أول نوفمبر 1954 م

تلك هي التيارات الرئيسية المتواجدة في الساحة السياسية الجزائرية، لكنها متشرذمة ومتفرقة، ووجب تقنينها دستوريا، بمناسبة الدستور الجديد وبكل جرأة سياسية، من خلال فتح كل المجالات للمنافسة الحقيقية عبر صناديق الاقتراع دون تدخل من أجهزة الدولة وبأي طريقة من الطرق، مع العمل على إعادة تشكيل وتكوين الأحزاب على ضوء الأيديولوجيات الثلاث المذكورة آنفا ، ومراجعة الأحزاب الحالية، وهذا هو الحل الوحيد للخروج من أزمات الجزائرية المتلاحقة، والتي هي أساسا مشكلة واحدة ،وهي مشكلة سياسية أوَّلاً وأخيراً، ومنذ عقود.

للنشر والمساهمة في قسم الساحة: alsaha@alroeya.com
#بلا_حدود