الأربعاء - 03 يونيو 2020
الأربعاء - 03 يونيو 2020

تلك البعيدة هناك.. سمَّيتُها «مفيدة»

حبيبة عوض طالبة في ثانوية الصالح ـ الشارقة

الخامسة فجراً.. أرغب حقاً وأنا أتقلب في فراشي، في أن يطل عليَّ النوم بزيارة، لأسافر في الأحلام إلى الأرض، حيث أمضي بقدمين من أمنيات.

أحب الليل لكني أكره هدوءه، لأنه يسمح لتلك العفاريت الصغار بأن تتملكني.. سمعت أن اسمها (ذكريات) لكن لا مانع اليوم من السماح لبعض الماضي أن يكون حاضراً.


تبدو السماء ملهمة جداً هذه الليلة، حيث أرى تلك النجمة ـ وهي بالتحديد ـ تجعل لا مفر من الأمر.. لقد أخبرتني جدتي يوماً أن أمي هي من اختارت نجماً اسماً لي، وأنها كانت تحب النجوم وأساطيرها أكثر مما يحب طفل الحلوى، ولهذا أظن أن هذه النجمة البعيدة ـ القريبة قرب جلدي منّي، ما هي إلا أمي، وقد عادت إلى مكانها الأصلي، وأن وجودها هنا كان لأجل الزيارة.

تصاحبني هذه النجمة في كل حين أينما ذهبت، أشكو لها همومي وأخبرها بمشاعري، فتشع أكثر لتملأني دفئاً عوضاً عن العناق، وقلة حيلتي الآن تذكرني بالجموح الذي كنت عليه قبل تسع سنوات، فكم كنت أحب الطبيعة؟ وكم أردت رؤية كل مخلوقات الكون حتى تلك الدودة المختبئة تحت صخرة في حديقة ما أردت الترحيب بها في عالمنا المتواضع.

إن نسيت اسمي ومن أكون، لا يمكنني نسيان ما حدث في اليوم الخامس عشر من الشهر السابع في العام الحادي عشر بعد الألفين ميلادياً.. كنت أزور بعض الحيوانات في السيرك، لمعرفة أحوالها، لأني أعلم أن البشر فيهم من الوحشية ما يزيد على الحيوانات الفعلية، ولعل ذاك الثعبان الذي أخطأ في تحديد وسيلة الشكر المناسبة، أو لعله كان يعبر عن عناق بطريقته الخاصة، يستحق السماح والعفو على أي حال.

قبل ذاك اليوم كنت جسداً كاملاً بروح ضالة عالقة في المنتصف، واليوم أنا نصف كرسي بروح كاملة.. لقد أصبحت مميزة يا أمي.. أصبحت مميزة يا مفيدة.

أمي لا يزال صوتك يحتضن خلايا ذاكرتي ويدغدغني دافعاً إياي للابتسام.. أتذكر ذلك اليوم قبل أن تذهبي حين كسرتُ كوبا وأخبرتني أن النجوم وشت لك، وأنك راحلة.. أخبرتني أن أكون إنساناً حراً وألّا أكون نصفاً.

قبل عشرة أعوام تركتني أعترف بجهلي، إذ كيف أكون نصفاً وجسدي كامل لا عيب فيه؟.. واليوم أعرف تماماً ما تعنينه مع أن جسدي نصف لكني لست كذلك.

أعترف بجهلي أيضاً عندما جهلت سبب رحيلك، مع أني رأيت الليل يتساقط من رأسك ورأيت الغيوم تتكثف تحت عينيك العسليتين كيوم غائم لكنه غير ماطر.. جميلة أنت يا أمي.

السبب الوحيد في بقائي على قيد الأمل حتى هذه اللحظة الحاضرة، هو الروح الحرة التي تعبر عن نفسها، مع أن روحي تتقيأ ألواناً على لوحات يراها البعض فناً عبثيّاً، لكنها رسائل واضحة يفهمها قلائل، هي فقط.. إنها حديث مع الذات.

يراني البعض قدوة لكني أحب جسدي كما هو، ولم أكن لأعرف كيف أكون على قيد الحياة والحرية إن لم يحدث لي هذا.. أراني إنساناً لا يقبل بالنصف، لذا رجوت الألوان التحدث عني لتكملني، وقبلت هي بتواضع شديد.

كانت أمي نجماً والنجم لا ينتهي، وحتى إن أفل يبقى بعض من نوره، أنا وهج أمي وطريقتي للتوهج لوحاتي، التي لن تصمت أبد الدهر.

إنك تسكنين كل لوحاتي يا مفيدة كما تفعلين مع أفكاري، لذلك أصبحت أقدس النجوم لأنك منها، وأنا منك، لذا تلك النجمة البعيدة هناك.. تلك النجمة المشعة أكثر من الشمس سميتها مفيدة.
#بلا_حدود