الأربعاء - 03 يونيو 2020
الأربعاء - 03 يونيو 2020

رمضان.. و«ذكريات ركائز البيت»

د. علي سالمين بادعام كاتب وإعلامي - اليمن

لكننا فقدناهم.. وهذا قدر لا نملك إلا أن نحتسبه، فقدنا الأحبة، وكم أوحشنا فراقهم، خاصة في هذه الأيام المباركة من الشهر الفضيل، فقدنا نبضاً كان يلهمنا ويهدينا في سبل الحياة الوعرة، أكتب عن ركائز البيت التي لا نزال نتكئ عليها وعلى ما تفضل به الوالدان وما أدراك ما هو، تضيق المساحة عند الحديث عنهما، تفاعلهما ومحافظتهما على ترابط أسرتنا الممتدة، عوالم لا نزال نذكرها، حينما تبدأ التجهيزات للشهر المبارك، عندما نهم بتجهيزات الإفطار، والمهام التي نتكفل بها، كبرامج ثابتة تجعلنا ننتشر في البيت كالنحل لتنفيذها.

في هذه المساحة ونحن نستقبل شهر رمضان المختلف هذه المرة، نمت إلى خاطري تلك الأيام الخوالي التي ثبتتها والدتي العزيزة رحمة الله عليها، تفقّد الأهل والأحباب وحثنا على صلتهم، وبذل الصدقات وتوزيع الأطباق الرمضانية على الجيران، كم نفتقد كرم الوالدة واحترامها لصداقاتها، ولا نزال على العهد والوصية، واصلين لهم، نرى فيهم روح الوالدة، ونتأمل فيهم شخصيتها التي أحبوها وأحبتهم وأخلصت في ذلك.


بيت آل سالمين كباقي البيوت حمل العديد من الذكريات النيرة الباذخة، منارات باعثة للحب والأمل نجدها الآن بين جنبات الأسرة المتفرعة، عطرها الأخاذ يملأ عناصر الأسرة ويفوح في شخوصها، نساء ورجال نرى فيهم حكمة الوالد ومروءته وكرمه الفياض وشجاعته وحسن تعامله مع الآخرين، وقوة الوالدة وحسن تربيتها وتفانيها، هذا كله يتمثل في هذا الوقت في البيت، ولو أننا افتقدنا تلك الروح والمعاملة الحسنة وطيب الخاطر برحيل من رحل من الوالدين والأخوات والإخوة، خاصة في هذا الشهر الكريم، الذي يماثل شخصية الوالدين في كثير من النواحي، معهما كنا نجد ضالتنا والود والوئام، معهما نسطر حياتنا بالشكل الأمثل، وكذا رمضان يحيينا وينعش دواخلنا بروحانيات وملاذ آمن.

جلسة الإفطار في الشهر الكريم تجمعنا على مائدة الرحمة والغفران، تلك المائدة بزخمها وثوابتها الباقية، والدي العزيز ووالدتي العزيزة يتوسطان الأسرة بجمال مظهرهما ورونق دواخلهما، وإخواني وأخواتي كالنجوم يلتفون حول المائدة، نتبادل تهاني الإفطار، ونجتر الذكريات، فجلسة كتلك نحرص على الاستفادة منها قدر الإمكان، حكمة الوالد وروحه الطيبة كانت تنتشر في الأرجاء وكلنا آذان صاغية، في الجانب الآخر، الأطفال يلعبون وتبدأ حياتهم بعد الإفطار مباشرة، يتلقون التحايا والهدايا من أعيان الأسرة لتشجيعهم على الصيام، وينطلقون إلى عالمهم الرائع، محتفلين بما بعد الإفطار، وصلاة التراويح التي غابت هذا العام لأسباب قاهرة، كانت رمزاً لنا في شهر رمضان، بها نُروِّح ونرتاح، نذهب إليها كذهابنا إلى العيد الأكبر، جميعنا في المسجد نصلي ونقوم ونخرج مطمئنين، وهكذا الاجتماع وعدم الافتراق دائماً في مائدة العشاء والسحور، كان كل يوم في رمضان عيداً لأسرتنا ولا يزال، بسرد الخواطر والحفاظ على عاداتنا المخلدة فينا.

- هل فقدنا إرثنا؟.. هل تناسينا تلك المعاني الباهية؟

أجيب:

- لا وألف لا، بل فقدنا أرواحاً زاكية طاهرة، أورثتنا قيماً ومعاني لا يمكن أن تمحوها شواغل الحياة وعنفوانها الجارف، قيماً كالطود راسخة، خلّفها الوالدان بعد خبرات عريضة في مضمار الحياة، وها نحن قد استلمنا الراية لنزرع الأمل في القادمين، ونردّ لهم ديناً من السابقين، فالحياة كالغرس، إن كان طيباً نبت طيباً، وإن فسد فعلى الدنيا السلام، والسلام عليكما بقدر ما أنبتما من بين الأشواك أزاهير هي حاضرة بيننا.
#بلا_حدود