الأربعاء - 03 يونيو 2020
الأربعاء - 03 يونيو 2020

النكبة الكورونية.. بداية التعايش المستعصي

يونس بلعمري إعلامي ـ الجزائر

أضحت مظاهر البشر في العالم ـ وهم يسارعون إلى العزلة ـ سلوكاً اجتماعياً غزته مشاعر التوجس والارتياب، ويبدو أننا سنكون قاب قوسين أو أدنى من تحويل ظاهرة التباعد الاجتماعي إلى أسلوب حياة مضطرد وطريقة عيش دائمة لا يمكن أن نستسيغها، بل الأدهى والأمر أن كورونا معضلة صحية لن تتوقف حتى مع إيجاد العلاج، على اعتبار أننا سنضطر إلى إيجاد لقاح وقائي، وأي إخفاق في ذلك يعني أننا سنمنح أنفسنا للفيروس لكي يستوطننا مثله مثل فيروسات الزكام، وربما في استيطانه هذا يصبح موسمياً ليجعلنا نعتقد في الوهلة الأولى أننا قد تخلصنا منه، في حين أننا وقعنا في فخ فيروس «مستقر»، يجعل البشرية مرغمة على حماية نفسها عن طريق احتياطات غير مألوفة وأكثر بأساً وقساوة...!

هل هي بداية التعايش المستعصي مع الأمراض إذن؟ وهل سيكون المرضى والأسوياء على موعد مع قسط من الإصابة بهذا الوباء موسمياً وقسرياً؟


لعلها أسئلة تحتاج إلى إجابات موضوعية من طرف الخبراء في مجال علم الأوبئة، لكن الأكيد أن تبعات وباء كورونا ستكون تراجيدية، ونخشى في ذلك أن تكون فرصة مناسبة تظهر فيها حقيقة الطبيعة، وكأنها تريد الإفصاح لنا بأنه قد حان الأوان لكي تكشف عن شراستها أمام التكنولوجيا الغريمة، فاتحة بذلك الباب على مصراعيه أمام معاناة جماعية حتمية، لا يسلم منها بعد عمليات الغربلة سوى بعض الكائنات البشرية المحظوظة صاحبة الدفاعات الحصينة.

تصور مريع، قد يذكرنا بأوبئة احتفظ بها الماضي السحيق، حيث لا تزال الإنفلونزا الإسبانية تمثل نموذجاً حياً لما يمكن أن تخلفه الأوبئة من نوائب، فقد فتكت بحياة ملايين البشر، وأبادت كثيراً من الأجيال، الأمر الذي يضعنا أمام تكرار وارد لهذا السيناريو، وقد يكون أثره قوياً هذه المرة في ظل العولمة التي تملك القدرة على توحيد وتجميع ذعرنا في وقت واحد وشاشة واحدة، ما سيخلق فينا ثنائية الوسواس والخوف، ويعزز من احتمال اندلاع النزعة القبلية، والإكزونوفوبيا (الخوف المرضي من الأجانب)، والأنانية، وصعوبة التكيف، فبالرغم من تجسد العدو في الفيروس بحد ذاته، إلا أن قابليته للتلبس في الفرد جعل علاقة هذا الأخير مع مجتمعه على المحك، وأصبح ينظر إليه بصورة نمطية مبطنة على أنه هو العدو المحتمل.

ورغم الألم الجماعي وصعوبة التعايش الذي أتصور أننا سنتجرَّعه جميعاً، إلا أن فسيفساء الصور الإيجابية في اعتقادي ستتجلى في استرجاع مكانة الإيمان لدى الأفراد، وتوازن النزعات الروحية مع النزعات المادية، وقد رأينا جزءاً طفيفاً من ذلك في اللحظات الفارقة، التي ظهر فيها حجم التعاطف والتسامح الديني، وكذا حجم الاعتبار المعنوي الذي حظي به الجيش الأبيض، وشاهدنا كيف أن غريزة البقاء أسهمت في تعزيز إجراءات التباعد الاجتماعي، وهذا الأخير سيؤدي، حسب اعتقادي، إلى نتائج مذهلة في تعديل السلوك الجنسي وميل المجتمع البشري برمته إلى التحول نحو مجتمع محافظ، خاصة أن الأفراد تفطنوا إلى ضرورة إعادة مراجعة العلاقات وفق معايير الصحة والسلامة.

لكل منا في نهاية المطاف إذن وجهة نظر لما ستؤول إليه الأوضاع، لكن المؤكد أنها ستتغير لا محالة، وفي أحسن الأحوال سوف تقوم البشرية بأولى الخطوات نحو استدراك الأخطاء، ورفع درجات التأهب، فحياة الإنسان هددتها الحروب التقليدية، وهذه الأخيرة تمت مواجهتها بانتهاج أساليب الدفاع الحربي، ووضع الخطط والاستراتيجات، في حين أن حروب الطبيعة تغاضت عنها البشرية، ولم تواجه ضراوتها بوسائل دفاع بيولوجية مبتكرة تجنبنا التعرض لأوبئة تكدر عيشنا، وتضع حياتنا على المحك!
#بلا_حدود