الأربعاء - 03 يونيو 2020
الأربعاء - 03 يونيو 2020

كورونا.. ودروسه الخمسة

سلمان الخالدي كاتب ـ الكويت

لم يكن واقع الفيروس المكون من جرثومة لا تُرى بالعين المجردة عابراً فحسب، بل كان واقعه مؤلماً للغاية على جميع عادات الحياة الطبيعية، حتى أدرك العالم أجمع أن الله سبحانه وتعالى أرسل جنداً من جنوده ليوقف طغيان البشر على الضعفاء والمظلومين، ويلهيهم عن الحروب، وأصبح الجميع يحارب انتشار هذا الفيروس.

سيهزم الإنسان كورونا كما هزم غيره، لكن هناك دروساً وعبراً مهمة يجب ألّا تغيب عن شعوبنا وحكوماتنا ومجتمعاتنا، منها:


أولاً: هناك دعوة من الله للمراجعة، ليوقظنا من غفلتنا لتحريك ضمائر الأمة التي اهتمت بالماديات وسطوة السطحيات، وتقديس الأسماء حتى أصبحنا عبيداً لها وتناسينا قيمة أبسط الأشياء ونعمة الصحة والعافية والخروج بكل حرية وأمان وليعرف ابن آدم حجمه الحقيقي، إذن هي دعوة وتحذير من الله ليذكر الانسان «بإنسانيته»، مصداقاً لقوله تعالى: «وما ظلمانهم ولكن كانوا أنفسهم يظلمون» (سورة هود ـ الآية: 101)

ثانياً: لقد أعاد كورونا ترتيب أهمية ووضعية الفئات الموجودة في المجتمع طبقاً لمكانتها الحقيقية، فالأطباء والعلماء والمخترعون هم الأهم لبقاء العالم ونجاته، بينما اللاعبون والفنانون مجرد مسلين وليسوا أبطالاً، حتى إن بعضهم هرب من مواجهة هذا الوباء، وأعاد لنا الصيغة المادية للاعب كرة القدم الذي يُمنح مليون يورو شهرياً، والطبيب الذي يتقاضى 1800 يورو، بينما العلاج واللوازم الطبية وصنع اللقاحات يملكها الثاني، ناهيك عن إدراك الجميع أن حياة الشعوب والمحافظة عليها أهم بكثير من المستقبل الاقتصادي، وهو ما جعل دولاً «عظمى» تصبح «صغرى» بسبب الفيروس، وأعلنت استسلامها، وفقدت السيطرة، وتناست أن حق الإنسان الأول هو «الحياة».

ثالثاً: كشف المستوى عن جراح ما قبل الأزمة، مثل العنصرية، وسوء التعامل مع الغير وقمع الحريات، وكأن الأزمة اختبار من الله لشعوبنا «المتأنقة» والمادية المفرطة لدى كثيرين من مدعي الإنسانية والحيادية للتوقف عن العبودية والجشع والفجور في الخصومة بلا مبادئ وقيم، وهي رسالة واضحة على أن أهم من تطور الأمم إتاحة حرية الرأي العام والمساواة والقبول بأفكار العقول المتفتحة، التي تمتلك الشجاعة في قرارتها وطرح آرائها، ومثل هذه الحالات التي تعيشها بلداننا تُظهر حقيقة البشر.

ربعاً: أنه لا قيمة للشهادات، فالأهم هو التعلم، ولا قيمة للادعاء فالأهم هو العقل، ولا قيمة للثروة المادية فالأهم هو الثروة الأخلاقية، ولا قيمة للفرد والعمل فالأهم هو الأسرة وإذا لم تستوعب الأمم الدرس ولم يتغير النظام المهني والتعليمي بعد الوباء والبلاء فلا أعتقد أننا سنتطور للأفضل فما نحن فيه ليس أزمة فحسب بل دعوة لمراجعة الحياة.

خامساً: من أهم الدروس ألّا نعتقد يوماً من الأيام أن النعم التي وهبها الله لنا لا تزول فمنظر الكعبة المشرفة وهي فارغة هز كل مسلم تأخر عن بيت الله وصال وجال في الأرض، والأشجار التي تحرق وهي التي نستنشق منها ذكّرتنا بالحفاظ على الكون، والطعام الذي يرمى في القمامة عرفنا قيمته كثيراً من خلال مناظر الهلع في المتاجر، وكل ذلك جعلنا ندرك أننا نحن البشر أسأنا استعمال النعم كثيراً، وكان المفترض أن نتوحد كبشر حقيقيين، ونحافظ على تلك الموارد في كوكبنا العظيم دون الحاجة لفيروس يوقظنا وينبهنا، والله سبحانه وتعالى لم يعد يرسل اليوم لنا الرسل إنما يسلط علينا العقاب مباشرة.. لدينا العقول ولكننا متمسكون بالجهل.

إن وباء كورونا جعلنا نعود إلى وعينا في عالمنا المتسارع، لتكون هذه الوقفة المؤلمة درساً قاسياً لن تنساه البشرية ولن تتطور الشعوب إلا في ظل تكاتفها وتعلمها وإنسانيتها وعلمها.. فالأزمات تربي الشعوب.
#بلا_حدود