الجمعة - 29 مايو 2020
الجمعة - 29 مايو 2020

أن تكون دائما على صواب

د. وفاء مرزوق أستاذة جامعية ـــــ الجزائر

ليس من السهل على المرء أن يقنع الآخرين بأفكاره دائما، إذ يفترض أن تقوم عمليَّة الاقناع في أساسها على قواعد متينة وحجج وبراهين معقولة، فكلما اتضحت الفكرة وازدادت دعائمها، انجلى عنها الالتباس وكانت أقدر على الصمود والمواجهة والانتصار، لكن ماذا لو لم يكن الأمر كذلك؟.. ماذا لو أن فكرة الانتصار في حد ذاتها كانت مبنيَّة على أسس مغايرة؟، فما الذي يجعل الأفكار تنتصر وتستمر؟، وما الذي يُمَكِّن صاحبها من النجاح غير الحجة البينة والبرهان الدامغ والعمل الدءوب؟.

يشير الفيلسوف الألماني«آرثر شوبنهاور» في كتابه«فن أن تكون دائما على صواب» إلى عدة حيل يمكن لأي شخص من خلالها تغيير أسس الحوار والتغلب على خصمه ببراعة إذا أتقنها جيداً، شريطة أن يتمتع بقدر واسع من الدهاء، فإذا لم يكن الجدال مجديا ومفيدا إلا مع أشخاص متساوين فكرياًّ، فإن المطارحة غالبا ما تحدث بين أشخاص متفاوتي المعرفة والذكاء، وبالتالي سيكون هناك حتما اختلاف في النتائج، واختلاف في الأساليب أيضا.


وفي نفس السياق يؤكد شوبنهاور على ندرة الأشخاص الذين يستحقون فعلا المطارحة والنقاش، مؤيدا في ذلك الفيلسوف اليوناني أرسطو في مقولته«لا تتجادل مع أي شخص كان، لكن فقط مع أناس تعرفهم وتعلم أنهم عقلاء كفاية»، غير أنه يحاول من جهة أخرى، أن يعطي للجدل مفهوما مختلفا عن المنطق عكس ما كان سائدا، فإذا كان هذا الأخير يعبر عن قوانين الفكر أو نهج العقل أو بتعبير آخر التفكير الانفرادي الخالص لكائن عاقل لا شيء يخدعه، فإن الجدل في المقابل تعبير عن اجتماع كائنين عاقلين يُفكَّران معاً، فإذا لم يكونا على نفس الإيقاع نتج عن ذلك مطارحة أو مشادة فكرية، ولأن الإنسان يريد دائما أن يكون على صواب، فإنه غالبا ما يلجأ إلى الجدل المرائي، وهو النهج المستوحى من الإيقانية الموجودة في طبيعة كل كائن إنسي.

إن اتباع تقنية الجدل المرائي أو فن المغالطات بتعبير أكثر دقة سيجعل من أي شخص يمرر أفكاره بسرعة فائقة وبقوة لا مثيل لها خاصة إذا كان يحتل موقعا هاما ومرموقا، ليس ذلك دليلا على كونه محقا بالطبع لكنه سيضعه على الأقل في موقع متفوق يمكنه من الحشد والتعبئة لأفكاره ومنهاجه باعتبار أنه على صواب في نظر هؤلاء وفي نظر نفسه طبعا، حتى ولو استعمل في ذلك حيلا عديدة، صحيح أن هذه النصائح بمثابة دليل لتعلم تقنية الحوار، وتفادي مغالطات الخصم لكنها تتيح من جانب آخر لصاحبها مغالطة ليس الخصم فقط ولكن الكثير من الناس.

هذه العملية تشبه إلى حد ما نظرية العصبية لابن خلدون، إذا قيست على تلك المجتمعات التي تثيرها الخطابات القومية والنعرات الطائفية والمواقف السياسية والتعصب الديني والمذهبي وما إلى ذلك، فإذا كانت«حياة الدول مثل حياة البشر تبدأ بالقوة وتنتهي بالضعف والتلاشي» كما يقول ابن خلدون، فإن النهج العصبي الذي أنشأها كفيل بأن ينهيها، وهو إسقاط آخر لما يحدث في واقعنا اليوم، الخطابات الرنانة، الحشود الشعبية المستثارة، الانقسامات الطائفية والقبلية، أجندات إقليمية ودولية،، الجماعات الإرهابية، الأحزاب السياسية، شخصيات تريد فرض نفسها بالقوة..إنه النهج المرائي ولا شك.
#بلا_حدود