الأربعاء - 03 يونيو 2020
الأربعاء - 03 يونيو 2020

غربان وارسو.. وذاكرة الخفاش

لؤي خالد كاتب ـ بولندا

بدأ الأمر بخفَّاش.. فمنذ كنت أصطاد أمثاله وأنا طفل في قريتي، وأضعها في «برطمانات» زجاجية ليطرب مسمعي صوت رفرفة أجنحتها، وتخبطها كلما وجهت لها الضوء.. كان يجب أن أعلم حينها أنه قد تشكل في ذاكرة الوطواط الجينية عداء مرعب نحو البشر.

هذا ما كان يدور في ذهني وأنا أقف في محطة قطار «وارسو» الرئيسية.. لحظتها لم أفهم سوى أن هناك وحشاً يدعى «كورونا» قادماً للقضاء علينا جميعاً.. أخرجت هاتفي المحمول ورُحْت أحدِّق في شاشته.. لم أكن أبحث عن شيء بعينه، لكن ذلك السطح الأسود الأملس البارد يأتي بالعجائب أحياناً، فقد اكتظّ بأخبار ورسائل كلها تناقش موضوع الغول الذي سيحل في كل بقاع العالم.


عدت إلى البيت.. بدأت بإفراغ حقيبتي من بعض المشتريات، كان أبرزها كيس بطاطس كبير، قررت ربطه ليتدلّى خارج النافذة في محاولة مني للإبقاء عليه لأطول فترة ممكنة.

- غداً آخر يوم سيئ قبل إجازة كورونا.

قلت هذا، وأنا أُحكم قضبتي وأتخيل «ضرس العقل» تفقد وقارها أمام زميلاتها من الأسنان، فقد تمكنت من الحصول على موعد بحكم دراستي في كلية طب الأسنان، حيث وافق الطبيب على علاجي، شرط أن يحضر جميع الطلاب العملية.. قبلت على مضض، ولم أتوقع حضور أحد.

نظر إليّ عقبة، ثم قال:

- يُقال: إنك ستصبح أنضج إذا ما خلعتها.

لم أكن أبغي حضور الطّلبة، فقد كشفت الأشعة أن الضرس غائرة بعمق شديد في عظم الفك، واستخراجها لن يكون سهلاً ما سيعنى ضرورة التخدير.

- أنا في أمسّ الحاجة إلى النوم.. قلت وأنا أتقلب في مضجعي متخيلاً زملائي متحلقين حولي، ينظرون إلى فمي ويُمعنون النظر في أسناني الكبيرة، وكلما نظروا إليها ازداد حجمها، وأبت ضرس العقل الخلع.

- قااااااع، قاااااااع، دك، دك، دك.

قفزت من سريري مشوش الذهن، واحتجت برهة لأستوعب أن هذا الصوت من طيور تتشاجر على كيس البطاطس، فأسرعت بفتح النافذة.. طار غُرَابان بعيداً، بينما حلّق ثالثهما أمامي في محاولة منه لخطف الكيس، وكأنه مِلْكُه.

أغلقت النافذة، وتوجّب عليّ أن أرمى هذا الكيس في سلة المهملات.. لقد لمسه كائن آخر في زمن كورونا، وبالتالي أصبح غير قابل للاستخدام.. وهكذا فعلت.

ذهبت بعدها إلى العيادة.. دخلت لأجد جميع الزملاء قد سبقوني إلى هناك.. جلست على الكرسي وبدأت أجيب على أسئلة الطبيب، وما إن سرى التخدير في جسدي، وعانت كلماتي من الاتصال ببعضها، حتى بدأ الممرضون يضربونني.. كنت بالكاد أستطيع الحركة، لكني استللت إحدى الأدوات التي كان يعمل بها الطبيب وزرعتها عميقاً في عنق عقبة، الذي سقط فوراً، ودخلت مجوعة الطلبة في نقاش حاد:

- «لم يفعل شيئاً.. كان يدافع عن نفسه ليس إلا».. قالت زميلتي، ذلك لأن ابتسامتي سحرتها.

- بل يجب أن يموت ميتة أشنع بمراحل.. صرخت أخرى عن حبيبها المغدور.

- هذا هلاك حلّ علينا.. صرخ زميل آخر وعنقه مشرئب وهو يشير إليَّ.

- «............».. نظراته كانت معبّرة أكثر من كلماتهم مجتمعة.

- دعوه ولكن راقبوه عن كثب.. قال أذكاهم، وأكثرهم برغماتية

- لماذا هو واجهني أنا.. زمجر عقبة في غضب.

- ماذا بك يا فتى؟.. سأل في استغراب.

وحينما ساد الصمت، نهض أكبرهم عمراً، وقال:

- كلنا يحمل سواداً في قلبه، للخفاش أن يطفئه بالدماء، وللغراب أن يردمه بالذهب، وكلاهما مخطئ.

ربَّت الطبيب على كتفي، وهزَّني عدت مرات حتى بدأت الغيمة الموجودة فوق عيني تنقشع، وأحسست بفراغ وخدر شديد في خدي، واستطعت تذوق الدم.

ابتسم الطبيب، وقال:

- «إن الغربان ذكية فعلاً، من شدة ذكائها قد تراها تقيم محاكمات لبعضها بعضاً».

تمتم أكبرنا عمراً:

ـ لا شك أن ميزان الغربان مثير للانتباه، لكن لا تكثر من استخدامه، لكي لا تجد نفسك في جهنم في تمام الخامسة عصراً.
#بلا_حدود