الخميس - 04 يونيو 2020
الخميس - 04 يونيو 2020

الانسجام والجمال.. وأزمتنا الراهنة

د. منصور جاسم الشامسي باحث علمي وكاتب وشاعر ـ الإمارات

فيروس كورونا ـ هذا الوباء العالمي ـ كسر (الانسجام)، ولكنه أفضى لضرورة تطبيقه في حياتنا، وكَوْكبنا.. فما هو الانسجام؟

(الانسجام) حجر الزاوية في علم الجمال وركنه الأساس؛ يُعطي معنى، كما يُشار للجمال بالانسجام، ويتحقق في ذات الفرد، أو الشيء، أو الموضوع، أو الكَوْن، يربط بين الأجزاء، وغياب (الانسجام)ّ تشوشٌ، مُسببٌ للقلق، والمرضِ، واضطرابٌ؛ قد يتفاقم.


ولتقريب معادلة الانسجام: حين ينظر الناس للوحة فنية، فتجذبهم وتُثير إعجابهم، هنا نسأل: لماذا حصل هذا الانجذاب، أو الإعجاب؟ الإجابة: لما رأوا فيها من (انسجام)؛ شعروا به، وهذا هو (الجمال) الذي أحسوا به أو شاهدوه في لوحة الرسم. لذا؛ انسجام (الرسم) أو (الفرد) أو (الشيء) أو (الموضوع) أو (الكون)، يتم إدراكه. لكن إذا كان العمل الفني، أو الشيء، أو الموضوع، أو الفرد، أو الكون، مفتقداً للانسجام، فلن يكون هناك انجذاب لهم، أو إعجاب، وبالتالي، فلن يتولد لدينا شعور أو إحساس تجاههم بأنهم متمتعون بالانسجام.

الشعور بأن العمل الفني، أو الشيء، أو الموضوع، أو الفرد، أو الكَوَن، مفتقد للانسجام، تعبير عن (ذائقة) معينة لدى المُشاهِدْ، أو (ذوق). الذائقة، أو الذوق، إدراكٌ لدى نفس طبيعية؛ عاقلة، سويّة، وهو «كَمَالٌ» و«نور» تمكن من معرفة وتحديد الانسجام.

ويوجد من يتصور أن وجود النفس الطبيعية أمرٌ سهلٌ؛ في حين هو ليس بسهلٍ، فعبر مسيرة التاريخ الإنساني، كانت هناك مآسٍ وكوارث وخلافات وصراعات، لا تزال مستمرة، بدرجات مختلفة، مرجعها النفس غير الطبيعية؛ غير المُنسجمة في ذاتها.

ولتعيين ماهية ودرجات (الانسجام) أو (الجمال) في الفن أو الشيء، أو الموضوع، أو الكون أو لدى الفرد، تدخل مسائل أخرى، إلى جانب وجود النفس الطبيعية؛ المنسجمة، مثل: التخصص والاهتمام والبحث العلمي والتجربة والخبرة والموضوعية والمنطق والحقيقة؛ تعمل كلها بنسق جمالي متكامل يُساعد لتكوين مَلَكَة حُكم قويمة.

وكنوع من التفصيل؛ الانسجام يتحقق في ذات الفرد، والفكرة، والتفكير، والإحساس، والمشاعر، والحديث، والفن، والموقف، والأداء، والفعل، والعمل، والروح، والمكان، والشكل، والإنتاج، والصناعة، ومخرجات الأعمال، والكون، ويكون مترابطاً، غير أن التباينات الداخلية الطبيعية تُعَد اثراء.

والانسجام قد يكون (كُلياً حقيقياً؛ جوهرياً)، أو (نِسبياً)، أو (ضعيفاً)، أو (معدوماً؛ لم يتحقق)؛ والجمال يكون بحسب ذلك.

لذا؛ فإن طرق مكافحة انتشار فيروس كورونا عالمياً لا بد أن تكون مُنسجمة، في ذاتها؛ ومُحققة للانسجام فردياً وكوكبياً. لا تكتفي بالنجاح في إيجاد لقاح للوباء؛ وهو متوقع، ثم تقف! بل عليها أن تتقدم نحو التصدي لأخطار عالمية أخرى مُهَدِدة لبقاء الإنسانية، وتتعلق بمستقبل العالم، مثل: الحروب النووية، وصناعة أسلحة الدمار الشامل؛ النووية والكيماوية والبيولوجية، والنزاعات، والتوترات، والعدمية، والاحتباس الحراري، والجفاف، وشح المياه، وتدهور الوسط الطبيعي (التلوث)، والتهديدات البيئية، والمجاعات، والاستغلال، والفقر، واللاتكافؤ، والكوارث الطبيعية، وسوء التغذية؛ خاصة لدى الأطفال.

كما عليها أن تتصدى أيضاً إلى عولمة اقتصادية بدون ضبط، وعدم تناول المشكلات بطريقة شمولية إنسانية كونية، والتعصب بأنواعه، والصراعات الاجتماعية، واللامبالاة، والفردانية، وانحسار نفوذ الطبقة الوسطى العاملة، والاستقطاب والتناحر، وتنامي النزعة الأحادية وضعف القانون الدولي والمنظمات الأممية المسؤولة عن حفظ السلام وتحقيق التنمية الكونية، ومشكلات السوق المفتوحة؛ المُطْلقة، وفائض الإنتاج وزائد الاستهلاك، وأنماط المعيشة الباهظة الثمن، وإفقار طبقات المزارعين؛ وهم «نصف البشرية».

هذه الإشكاليات الحساسة في كوكبنا هي عدم انسجام، ومالم يتم حلها، فلن يكون هناك انسجام كوني.
#بلا_حدود