الأربعاء - 23 سبتمبر 2020
الأربعاء - 23 سبتمبر 2020

العالَم في مَهَب التراجيديا

د. منصور جاسم الشامسي باحث علمي وكاتب و شاعر ــ الإمارات

الكَوْن تُنْهِكه الأوضاع الهَشْة كالأوبئة والمشكلات البيئية والحروب والأزمات الإنسانية؛ (تراجيديا) أو مأساة؛ متنوعة، ومتشابكة، حيث يقول (غوته)؛ «يتأسس كل ما هو مأساوي على وضع لا تصالح فيه، وحالما ينجز التصالح أو يصبح ممكناً، يختفي المأساوي»، ورغم أهمية (الشعور بالتفاؤل) لكنه لا يعني فَقْدّ القُدرة على إدراك تراجيديا الحياة، كما أن (التفكير الإيجابي)؛ لا يعني اِدِّعَاءُ الكَمَال وتجاهل المشكلات.

يُشير (غوته) إلى (التراجيديا) بأنها «الخطر الحزين المنبعث عن الرغبة السوداء»، و(التراجيديا) تأخذ أشكالاً (مُرعبة)، وأحياناً تكون (هزلية) أو (كوميدية) في الحياة؛ لكنها مؤلمة؛ وقد تكون المأساة ذاك اللامتوقع، المُحْتَجِب، وبعض (التراجيديا) تشعر بوطئته، وبعضها كالنمل الأبيض يهدم ويُخرب ببطء، وحركة (التراجيديا) «انحدار مستمر من اليُسر إلى الألم وإلى الفوضى»؛ وهذا الانحدار شقوق في بِناء العالم.


لهذا، فإن أزمة الوباء العالمي (كورونا)، وبقية الأمراض وأزمات الإنسان المعاصر تَصَدعات تجرح الوجه الإنساني؛ مِحن وقتامة وثقل تَلِمّ بحياة الناس؛ تراجيديا، تُهدد المعرفة والسِلْم والصحة والتنمية والإنتاج، وتُحْدث الالتباس، والأسوأ؛ أن تكون وسائل معالجة (التراجيديا) قاصرة أو خامدة، أو لا تُستخدم بصورة فاعلة، والدليل؛ تكرار حدوثها، عبر مشاهد عديدة، مما يعني عدم تبلور إرادة حرة حقيقية تضع حدًا لها؛ وغالباً ما تكون أسباب (التراجيديا) غامضة أو مزيفة أو خادعة أو غير منطقية أو غير حقيقية، وإن كانت تتشدق بالحقيقة، ولكن تراجيديا الحياة الواقعية تُنتجها قوى تفتقد للمشاعر الطيبة أو هي عقولاً مخربة.

تكون المجتمعات متجهة لتقدمها؛ داخلة في فترات صعود، وتطور اجتماعي، تطول أو تقصر، ماضية في طريق الانتقال من مستوى حياة متواضع إلى حياة جيدة، وتكون قواها نضجت، ويتشكل لديها وعياً جماعياً مستنيراً، حين تكون (التراجيديا) تتربص بها، تُعيقها أو تهدمها، و(التراجيديا) لها أشكال ظاهرة أو خفية، وقد تحدث تحت بريق شديد؛ دعائي، يخفي حقيقتها، كمأساة، وتناقضاتها عميقة، تُحدث حياة مُهشمة.

(التراجيديا) لها إحالاتها الضمنية ودلالاتها؛ ثقافات مبنية في جوهرها على النهب، والإقصاء، والعدوان، والقهر، والتغريب، والاستعمار، والاستغلال، والاسترقاق، والازدراء.

والتراجيديا يلمسها ويعالجها الأدب بأدواته الفنية؛ وكمثال؛ الشاعر الأمريكي-البريطاني (توماس ستيرناس إليوت-1888-1965)، في قصيدته المشهورة (أرض الضياع) كتب عن (تراجيديا الحرب العالمية الأولى)، وما خلفته من أوبئة وكوارث وأزمات، وهذا هو تنوع المأساة وتشابكها؛ كانت الحرب في حقيقتها صراعاً مادياً على السلطة والمال والنفوذ والسيطرة، وكانت بمثابة حرباً أهلية أوروبية رسم الشاعر صورتها القاتمة وعبر عن أزمة مجتمعه الغربي، وهذا ينطبق على الحرب العالمية الثانية (1939 – 1945 ) وكانت، أيضاً، بمثابة الحرب الأهلية الأوروبية التي أنتجت التراجيديا؛ كالأوبئة والموت.

حقيقةً، كافة أنواع الصراع والتنافس المادي، والمنافسة الاقتصادية العمياء، تُنتج فناءً وخسارات، وأمراضاً و أوبئة؛ جسدية أو نفسية، بدرجات مختلفة. وصُنع (التراجيديا) يعكس قرار الانكفاء على الجهل والانغلاق، الذي لا مبرر له والرضا بذلك، والاكتفاء بالسلالم؛ المصالح، الدنيوية القصيرة، والعزوف عن سلّم المجد الذي يمس السماء.

ومعالجة التراجيديا تتم عبر فهم حقيقي وأكبر للعالم والحياة ومكان الإنسان من ذلك، ومصيره فيها، وحين تتُاح فرصاً متساويةً للعمل والنماء للأفراد، وعندما ينسجم الفرد مع ذاته الفطرية الخيّرة بتقديم سلوك خيَري نبيل نافع بصورة دائمة ويتجاوز مصالحه الضيقة نحو أفقٍ جماعي وكَوْنِي أكبر؛ أقرب للصداقة الحقيقية مع الآخرين، يُؤسس لحب إنساني اجتماعي متبادل، وجعل (الثروة) ليست غاية؛ إنما وسيلة لأشياء أخرى مفيدة؛ اجتماعية مجتمعيّة انسانيَّة، عندئذ، ستتقلص مساحات التراجيديا.
#بلا_حدود