الخميس - 16 يوليو 2020
الخميس - 16 يوليو 2020

الصمـت... والانتباه للآخر

نوال يتيم كاتبة وشاعرة ــ الجزائر

الصمت هو الفسحة التي يمكننا أن نصحو فيها فعلا، والعقل الصاخب الثرثار هو الفسحة التي نبقى فيها بحالة سبات، وإذا تابع العقل الثرثرة فأنت نائم، وعندما تجلس بصمت عن كل شيء يختفي العقل، وتتمكَّن من سماع ما حولك من الأصوات وما خارجك من الأشياء بهدوء دون حكم مسبق، ودون تدخل منك في التفسيرات، ودون مشاركة للآخر في تحديد وجهة ما يصدر عنه.

عندما تصبح في حالة صمت تجاه الأشياء والأصوات، ينبعث فيك الوعي، وتستقبل كل ذلك بهدوء بلا تقديس وتعظيم ولا استهانة واستصغار، يمكنك وقتها أن تفهم أو تتقبل الآخر على هيئته التي أرسلت صورتها وتأثيراتها إليك.. الصمت وحده يجعلك هادئا فيولد لديك الوعي وهو لا يمكن أن يأتي من الخارج، إنه ينبعث منك وينمو فيك.


الصمت وحده يجعلك تتأمل، لأنه يحل حين يتوقف الفكر بصوره وكلماته وأحكامه كلّها توقفًا تامًّا، فيصبح البعيد قريبا والمنبوذ مقبولا كما هو دون تدخل ولا يوجد شيء قابل لوضعه في إطار محدد أو تحديده بدقة، ويختفي جوهر الزمن بحد ذاته، فلا يمكن أن تكون بائسا ولا شقيا ولا محزونا...ولا يمكن الفصل بين الواحد والكثير ولا الحكم على شيء.. أنت فقط صامت.

الصمت منجاة من فوضى التفسيرات لما هو غامض، يجعلك تغوص في ذاتك، الصمت هو العبور من الحركة إلى اللاحركة، ومن الضيق إلى الاتساع، ومن المقاييس إلى اللاقياس، فالصمت سكون والسكون حياة.

الصمت يولّد الانتباه للآخر، وحين تحب الآخر يصبح تلقائيا الانتباه إليه أمرا لاإراديا، ويترتب عليك أن تتأمل هذا الآخر، الذي ملأ بوجوده في وجودك مساحة مهمة لتستكمل بها جماليّة ما يحيطك، وقد تظنه ما يمنح الجمال للأشياء.
#بلا_حدود