الجمعة - 07 أغسطس 2020
الجمعة - 07 أغسطس 2020

الصِّياغات اللغوية.. ونفسيّة المُتلقِّي

محمد عبدالرحيم العمادي كاتب وشاعر ـ الإمارات

كثيراً ما تؤثر اللغة في علاقاتنا الإنسانية، وتترك بصماتها الواضحة في النفوس من خلال العبارات والألفاظ، التي نصوغها ونستخدمها في حياتنا اليومية، ومنشأ اللغة وتكوينها وتشكلها لدى الأفراد بطبيعة الحال يخضع لمجموعة كبيرة من العوامل الاجتماعية والتعليمية والثقافية وغيرها، ونحن لسنا هنا بصدد تحليل هذه العوامل، ودراسة أسبابها، فهذا موضوع لا تتسع له هذه المساحة الضيقة لعرضه، ناهيك عن كونه مجالاً بحثيّأً صرفاً يحتاج لدراسات معمقة، كتلك التي كتبت وصنفت العديد من الدراسات والأبحاث لتحليل، وسبر هذا المبحث السوسيولوجي السيميائي المهم.

لكن ما يهمنا في هذا المربع الصغير هو تسليط شعاع من الضوء الفاحص، باختيار مثال لتوضيح هذه القضية الاجتماعية المؤثرة في علاقاتنا الإنسانية اليومية ذات الأبعاد النفسية المهمة والحساسة جداً.


ومن باب التمثيل وتقريب الصورة للقارئ الكريم، لنرى هذه العبارة التي كثيراً ما يستخدمها الناس عند ارتكاب شخص مخالفة قانونية، نتيجة جهل هذا الشخص بالقانون الحاكم للممارسة التي بسببها ارتكبت المخالفة، فإذا قال بعفويته الصادقة: أنا لم أكن أعلم، فإنه سيجد العديد من الأصوات الجادة أحياناً، والهازلة أحياناً أخرى، ترد عليه بهذه الاجابة: «إن القانون لا يحمي المغفلين».

تلك العبارة ومثيلاتها ـ وإن كانت دارجة في الأوساط الشعبية والقانونية غير الرسمية، أكثر مما هي في الوسط القانوني الرسمي ـ لا نستطيع إنكار إنها أصبحت جزءاً من الصياغات اللغوية المترسخة في المعجم اللغوي لدى الشعوب الناطقة بالعربية، وهي بطبيعة الحال عبارة تحمل قدراً كبيراً من الشحنات السلبية والانعكاسات غير الإيجابية، وخصوصاً إذا ما استخدمت ووجهت لإنسان ما صدرت منه مخالفة لجهله بالقانون.

وفي المقابل توجد عبارة أخرى تحمل المعنى الدلالي ذاته، ولكنها لا تحمل في طياتها أيّ تأثيرات انعكاسية غير مرغوب بها إذا ما وجهت لمرتكب المخالفة، وتم استخدامها بدلاً من العبارة الأخرى الأكثر شهرة وشعبية وهي: أن يقال «الجهل بالقانون لا يعفي صاحبه من المسؤولية».

فلنمعن النظر في العبارتين والمعنى الذي ترغبان في إيصاله، سنجدهما من حيث النتيجة متفقتين، ولكن من حيث الطريقة والصياغة مختلفين أشد الاختلاف، فالعبارة الأولى قد تجعل المخالف يتّخذ موقفاً سلبيّاً من القانون، وتكرس لديه مفاهيم خاطئة تجاه أهمية فهمه ومراعاته والالتزام به، أما العبارة الثانية فأسلوبها الصياغي يترك أثراً طيِّباً في نفس المتلقي، ويدفعه لأن يحرص على فهم القوانين والأنظمة، وأن يكون أكثر حرصاً على معرفة حقوقه وواجباته تجاه القانون الذي تطبقه حكومته، وبالتالي تجعل منه مواطناً صالحاً وملتزماً بالقانون.

ما قمت باستعراضه والتمثيل له ما هو إلا نموذج من بين آلاف النماذج المختلفة للصياغات اللغوية، التي نمارسها بوعي أو بغير وعي في حياتنا اليومية وعلى كافة الأصعدة والمستويات، والتي تؤثر في المحيطين من حولنا من حيث لا نشعر، فانتقاء الكلمة والعبارة أمر بالغ الأهمية، وله تداعيات قد لا تدرك أبعادها في صناعة الفارق في حياة الأفراد وتشكيل سلوكياتهم والتأثير في نفسياتهم سلباً أو إيجاباً.

إذن فلنكن حريصين على انتقاء عباراتنا وألفاظنا، فبها قد نُغيِّر أو نتغيَّر، ولا يسعنا إلا أن نختم حديثنا بالآية الكريمة من قوله تعالى: «ولا تستوي الحسنة ولا السيئة ادفع بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم» (سورة فصلت ـ الآية: 34).
#بلا_حدود