الجمعة - 25 سبتمبر 2020
الجمعة - 25 سبتمبر 2020

الجزائري الأزرق.. وفرانكي القاتم

لؤي خالد كاتب ـ بولندا

يعلو صوت تهامسنا في الغرفة، بينما نتساءل عن اتجاه السهم، يميناً أو يساراً، في حيرة عارمة تمتزج بالذعر حين نتمكَّن من سماع أنفسنا نطرح نفس السؤال، ودائماً هناك قلق يعتري أي شخص حين يُطلب منه تحديد شيء معين أم إعطاء الإجابة الأخرى كليّاً.. فما بالك وأنت مطالب بتحديد نتوء بارز في عظم جثة مشرحة؟!

«سيصيبنا الطبيب فرانكي، القاتم هذا، بالجنون».. اخترنا له تسميّة القاتم، بَيْد أننا جميعاً نشك في كونه بولنديّاً، على الأقل في أصوله القريبة، والسبب الرئيسي في شكوكنا، وفي تسميته بالقاتم هو: أنه يبدو كشخصيات الكرتون التي ترسم بخطوط أو حدود أعمق من أقرانها، بُغْيَة الإيحاء أن للشخصية أثراً بالغ الأهمية في المشهد، ولذا يشار لها بدكانة الخط الأسود المحدد لأطرافها.


كان صديقي، الذي هو على وشك الإصابة بالجنون، يجمع أغراضه الملقاة في جوانب القاعة ويتمتم في غضب، هو كالجميع اليوم مصاب برغبة شديدة في إطلاق اسم على كل شيء حوله، لكني بالطبع لا ألومه فنحن نعيش في خِضَم عصر يعتمد ذو الشأن فيه على تقديم إجابة محددة للسؤال، مبنيّة على رقابة لصيقة يُفترض أنها تحمل شفافية إخبارية ومواقف مُصدَّقاً عليها دوليّاً، وفي حالتنا إجابة تتماشى مع ذهن طبيب التشريح القاتم.

ــ لِمَ أنت متأنق اليوم؟».. سألني صديقي بحزم

ــ لأنني ذاهب إلى السفارة، ثم لست متأنقاً أنا فقط أزرق.. هكذا أجبته

التمعت عيناه وصرخ:

ــ أووووه.. لقد فهمت، أنت ذاهب إلى السفارة مُرتديّاً الأزرق، تشبُّهاً بمنتخب فرنسا، خدعة باردة منك ولكنها جميلة.

ــ لقد اقتربت.. قلت ونحن نهم بالابتعاد عن مبني التشريح، ثم أضفت:

ــ لقد ارتديت الأزرق لأقول لهم: إنني طارقي (تارقي).. إنه لون محاربي الصحراء، وللجزائر عدة رموز ولكن هذا المُفضَّل عندي.

ــ إن طبيبنا كان على الأغلب مثلك قبل أن يفقد عقله.. تمتم.. ضحكة خبيثة تعتلي وجهه.

ــ هو ليس مجنوناً، بل يقضي وقتاً كافياً في تأمل الخطوط السوداء، يعتمد عليها للاهتداء إلى التفسيرات السليمة ويتوقع منَّا القيام بنفس العملية لنهتدي للاتجاه.

وانطلاقاً من نفس مبادئه، لكنّا معاكسون لمنطقه، اهتدينا نحن إلى كونه ليس بولنديّاً، وأيضاً استناداً إلى أن شعره كثيف، ويشكل خطوطاً اعتدنا رؤيتها في أجناس أخرى هي تحديداً أقرب لنا، وأما توصيفه بالقاتم فهو لأن كثافة شعر وجهه تضفي عليه منظر المتجهم حتى حين يبتسم.

افترقنا عند المحطة، حيث اتجهت فوراً إلى السفارة، وتزاحمت الأفكار في ذهني بينما إيقاع الأغاني في رأسي يحثُّني على التفكير بنمط أسرع، ورحت أُخمِّن إذا ما سيُفهم من ارتدائي لباس باللون الأزرق بالطريقة التي أود، يعدّ حَداً لا يمكن تجاوزه لما يمثله من قوة وعناد، لكنهم في السفارة كذلك من نفس جلدتي فلن أتمكن من حدودهم.

هم عادة يرتدون البدلات التي تميل إلى ألوان داكنة، وقد عَمَدت في المرات السابقة التي زرتهم فيها، تقريبهم إلى ذوي المعاطف السوداء الذين حوَّلوا سينشي الذكي إلى «كونان»، وهي استعارة تقلدني في الصراع القائم في ذهني مكانة المحارب الضروس برغم اجتماع الظروف عليه.

وصلت إلى السفارة وهممت بالدخول، وكنت قد بدأت أشتَمُّ رائحة موحدة في جميع غرف السفارة والعاملين فيها.. أضفت على الصورة التي رسمتها لهم المزيد من السواد المُحدد للخطوط، وانسقت لطبيعتي الجزائرية التي تتمثل عادة في الحس الثوري المُنْفجِر، والرغبة العارمة في القتال وحيداً رغم وجود خصم أقوى نسبيّاً، ودخلت في عدة حوارات صغيرة، حادة النبرة، مع قائد عصابة المعاطف السوداء كما سميّته في ذهني.
#بلا_حدود