الاثنين - 21 سبتمبر 2020
الاثنين - 21 سبتمبر 2020

الإعلام.. من الخبر العاجل إلى المستعجل

د. محمد شطاح مدير برنامج الاتصال والإعلام بجامعة العين - أبوظبي

منذ قرون خلت أنشد طرفة بن العبد معلقته التي مطلعها:

لِخَـوْلَةَ أطْـلالٌ بِبُرْقَةِ ثَهْمَـدِ تلُوحُ كَبَاقِي الوَشْمِ فِي ظَاهِرِ اليَدِ


وقد تضمنت هذين البيتين:

ستُبْدي لكَ الأيامُ ما كنتَ جاهلاً ويأتيكَ بالأخبارِ من لم تزوِّدِ

ويأتيكَ بالأنباءِ من لم تَبعْ له بَتاتاً ولم تَضْربْ له وقتَ مَوْعدِ

وكأني به يستشرف حال البشرية في مطلع الألفية الحالية، وما آلت إليه في مجال تداول المعلومات والأخبار حيث باتت الأخبار تصلنا تِباعاً من دون جهد، وتلاحقنا حيثما حللنا أو ارتحلنا.

لقد تعددت الوسائط وتنوعت، وأسهمت ثورة تكنولوجيا الاتصال والمعلومات، عن طريق التوابع الصناعية والمنّصات والحوامل الجديدة وعلى رأسها الهواتف الجوالة، في نقل الأخبار لحظة بلحظة.

وشهدت السنوات الأخيرة من هذه الألفية ضمن حمى المباشر والمنافسة، ظاهرة «الخبر العاجل» وصارت كلمة «عاجل» أو «هام» أو «الآن» مفتاحاً يتصدر شاشات التلفزيون والمواقع الإخبارية، ملازماً لها كالشعار، بل تأسست عناوين من الصحف والمواقع تحت هذه الأسماء، بل حتى «ألبومات» العديد من الفنانين تضمنت أغنيات تحت اسم «خبر عاجل».. فهذه أغنية لمطرب تقول: «خبر عاجل جانا من برشلونة.. رئيس النادي يسأل عن Kaka إش لونه».

ولم تعد قيمة الخبر بصدقه أو واقعيته بقدر ما باتت مرتبطة بفوريته ولحظيّته ومباغتته للمشاهد أو القارئ، والنتيجة إغراق المستخدمين لوسائل الاتصال بقديمها وجديدها في «طوفان» من الأخبار يفوق حاجاته واهتماماته، واختلط الخبر الصادق بالخبر الزائف أو « المفبرك»، بعد أن كانت البشرية ولعهود طويلة تعاني شُحّاً في الأخبار، وبعد أن كان الإنسان يلهث وينتقل لمسافات طويلة لكي يحصل على صحيفة أو يشاهد التلفاز أو يستمع إلى الراديو.

ولم يكن غريباً حين انطلقت المحطات الإذاعية أوائل الثلاثينيات من القرن الماضي، أن تعاني كثيراً من أجل الوصول إلى خبر يستحق البث، فكان المذيع في الـBBC يكتفي أحياناً في الساعة السادسة مساءً، في موعد نشرة الأخبار بالقول: «لا أخبار هذه الليلة» “There is no news tonight” .

ولم يكن غريباً أيضاً أن «يصدح» دريد اللّحام وسعاد عبدالله في منتصف ثمانينيات القرن الماضي، محتفيين بإطلاق العرب لأول قمر صناعي في الفضاء منشدين: «صار لِلْعُرْب قمر يملأ الدنيا خبر».

لقد أحدثت ثورة تكنولوجيا الاتصال والمعلومات ثورة جذرية في مجال الاستخدامات والإشباعات لرسائل وسائل الإعلام والاتصال بحديثها وقديمها.

الخلاصة: إن البشرية انتقلت من مرحلة الخبر «المؤجل» حيث كانت المعلومة لا تصل إلى مستقبليها إلاّ بعد أسابيع وشهور من الترّقب والانتظار، إلى مرحلة الخبر العاجل، والأمر في اعتقادنا لن يتوقف عند هذه المحطة فنحن بصدد مرحلة الخبر المستعجل أو «الاستباقي»، الذي يطل علينا عبر شاشات التلفزيون والمواقع الإخبارية، ومواقع التواصل الاجتماعي، حيث تتنافس الوسائط في استباق الأحداث، وفي تداولها قبل حدوثها، بغض النظر عما يترتب عنها من إشاعات، وأخبار كاذبة أوFake News.

أخيراً، فإن السؤال الذي يمكن طرحه اليوم هو: ما تأثير هذه التحولات في مجال الأخبار على الجمهور وما تأثيرها في مجال إدراكه للواقع؟

لقد أشارت العديد من البحوث والدراسات إلى أن التعرض إلى الأخبار عاجلة كانت أم مستعجلة له تأثيرات نفسيّة عميقة في تفسير الواقع، وهو ما يفسر تنامي ظاهرة الخوف من الجريمة بسبب التغطية العاجلة أو المستعجلة والانتقائية والمثيرة، في قوالب من العنف والاستعراض، بل يذهب العديد من الخبراء إلى ربط تنامي معدلات الجريمة والانتحار والأمراض النفسية في جزء منها بمدى التعرض لرسائل وسائط الاتصال، وبالأحرى الأخبار المستعجلة التي باتت تحاصر الجمهور في كل مكان.
#بلا_حدود