الخميس - 22 أكتوبر 2020
الخميس - 22 أكتوبر 2020

صراخ «الجزيرة».. وإزعاج سكان المدينة البعيدة

محمد سعيد كاتب صحفي ـ الإمارات

لا أزال أذكر تغريدة للإعلامي السعودي عبدالرحمن الراشد، التي ردَّ فيها على تغريدة مدير عام قناة الجزيرة السابق ياسر أبوهلالة، حيث قال ما معناه «اطمئن، لستُ مع إغلاق قناة الجزيرة على الإطلاق، فلم يعد لها تأثير».

وتوقعت شخصياً أن نشهد حرباً إعلامية قاسية، تضطر فيها وسائل الإعلام الإماراتية للقتال بشدة دفاعاً عن قرار معاهدة السلام، وذلك في مواجهة تأجيج رأي عام تقوده قناة الجزيرة، كما فعلت في الماضي مع بداية الربيع العربي داعمة تحركات الإخوان المسلمين، لكن شيئاً من هذا لم يحدث.


كإعلامي، تابعت محتوى القناة بشأن معاهدة السلام، فوجدته ضعيفاً، مجرد مقالة يكتبها موقع «ميدل إيست آي» القطري المكتوب بالإنجليزية، فينقلونها عنه، أو تغريدة لحساب وهمي تحت أسماء مختلفة، ويقدمون حولها برامج مستضيفين نفس الضيوف، وهو أسلوب بات الموالون للخط القطري أنفسهم يتذمرون منه بالكواليس، ويتحدثون عن فقدانه التأثير.

قبل ذلك، كان هناك ثورة في السودان، أزاحت نظام الإخوان، وفشلت الجزيرة في فعل شيء لحمايته، كما فشلت في حماية الغنوشي من كشف فضائحه، واكتفت فقط بتجاهل الأخبار التي تؤكد تورطه في كل قضايا الفساد السياسي والمالي.

وفي مصر، يدرك القائمون على قناة الجزيرة أنهم خسروا المعركة تماماً، فلم تعد مصر تعنيهم، ولم يعودوا يتحدثون عن الرئيس عبدالفتاح السيسي كما كانوا يفعلون من قبل، فالشعب المصري لا يشاهد إلا قنوات مصرية، وأعلن فقدان شغفه بفكرة القناة «الأممية» التي سقط تأثيرها.

وتمر مرحلة النهوض الجديدة بالمملكة السعودية بهدوء كامل، فنقاشاتي مع الأصدقاء هناك لم تعد تتمحور حول تقارير تشكيكية من قناة الجزيرة، على العكس مما كان يحدث في 2016 أو 2017، فرغم أن القناة باتت أقرب لكونها قناة سعودية معارضة، لكنها لا تملك مشاهدين هناك مهتمين بما تقدمه.

ويخبرني صديق عماني عن تجربة له مع والده، ويقول لي «والدي طاعن بالسن، اعتاد مشاهدة الجزيرة من بداياتها، لكنه أخبرني قبل أيام، بأن أبحث له عن قناة إخبارية جديدة، وقال لي: أريد قناة تغطي أخبار العالم، فالجزيرة فقط تتحدث عن السعودية».

ويؤكد أصدقاء موثوقون لي أن «تامر المسحال» يشعر بالإحباط، بعد أن تم إجباره على تقديم وثائقيات لا قيمة فيها، إلا مجرد محاولات طائشة للهجوم على الإمارات أو السعودية، ومن الواضح أنه مستمر فقط لما يتقاضاه مالياً منهم.

لقد كان لفظ مرتزقة في البداية يعتبر هجوماً مبالغاً فيه من مؤيدي محور الإمارات ـ السعودية الرافض للإرهاب، لكن النظام القطري وفي ظل شعوره بتقييد تحركاته بتمويل الإرهاب وخلق النزاعات الإقليمية، بات يتصرف من هذا المنطق مع جميع موظفي قناة الجزيرة، فهم بالنسبة لهم مجرد أشخاص يتقاضون أجوراً، وعليهم التكلم بالمطلوب منهم فقط.

الهجوم على إيران في بدايات الربيع العربي، ثم مدحها لدرجة وصف قاسم سليماني بالشهيد، والسكوت عن الرغبات الاستعمارية التركية، والمبالغة في استخدام شخصيات معروف عدم امتلاكها شيئاً لتقدمه، حولت القناة لمجرد اسم، لا تأثير لها ولا صوت.

ومن المؤشرات المهمة على أن قناة الجزيرة فقدت تأثيرها، أن حجم البحث عن اسمها في محركات البحث والسوشيال ميديا تراجع بشكل مذهل، كما أخبرني أحد المختصين في التسويق الرقمي، وهو ما يوضح أن الناس لم تعد تتوقع أن تجد فيها أي شيء.

لا أستطيع تذكر أي حوار شعبي خلقه أي من تقارير القناة في 2019 أو 2020، وحتى محاولتها الأخيرة لضرب العلاقات الإماراتية ـ العمانية مرت دون أي صدى، وكأننا أمام شخص في صحراء يصرخ بأعلى صوته، ويعتقد أنه بهذا الصوت يزعج سكان المدن البعيدة.
#بلا_حدود