الاحد - 07 مارس 2021
Header Logo
الاحد - 07 مارس 2021
No Image Info

تلاقي الثقافات.. وتحدّي الإخاء العالمي

ليث نالبانديان كاتب عراقي مقيم في فرنسا

لم تلبث الأجناس البشريّة كثيرًا في بقاع مسقطها، حتى همّت، ولا تزال، بالارتحال الطوعي أو القسري صوب مختلف القارات بحثًا عن حياة أفضل، ينعم فيها الإنسان بالأمن والكرامة، ويجد السكينة وراحة البال.

بهذا الخصوص، يَقصُّ لنا التأريخ حكاية هذا التمازج البشري عبر حقب زمنيّة متعدّدة، واضعًا أمامنا تجارب وخبرات بيّنت نتائج اندماج الشعوب بثقافاتها المتنوّعة، التي حملتها الجماعات المرتحلة إرثًا ملازمًا وملاصقًا لها.


لقد فتح هذا التمازج الباب لتلاقي الثقافات، لكنها كانت البداية فحسب، فقد تبيّن أن التلاقي اصطلاحًا نسبيًّا محدّدًا، إذ لم تستسغ الثقافات البشريّة مذاق بعضها البعض بسبب كم الاختلافات الفكريّة، والتباين الكبير في منظومة القيم والمبادئ التي ورثتها الأجيال، فأطلق العنان للتصادم عوض التلاقي، وسعت الإمبراطوريّات الكُبرى إلى مبدأ تغليب الثقافة الواحدة ونبذ الأخريات، بعد أن قامت على أطلال بعضها البعض، وما حروب الحضارات عبر التأريخ سوى أنموذجاً واقعيّاً لهذا التصادم الذي تسبّب بويلات ألمّت بالشعوب، تحت ذريعة الثقافة الأجدر بالسواد على الأرض.

أمّا اليوم، فإنه على الرغم من اجتياح الحداثة والنظام العالمي الجديد بعد الحرب العالمية الثانية، وإعلان حقوق الإنسان عام 1948، لا تزال الثقافات تتناحر لتتسيّد عرش الهرم العالمي، ولا نزال نشهد الصراعات العرقيّة والمذهبيّة والطائفيّة التي نحصد جرّاءها أرواحًا ودماءً، وجهلا عَظَم رافعًا رايات رفض النظير في الخلق، وساعيًا إلى تفريق الشعوب.

لعل التجربة الشرق أوسطيّة تغنينا كثيرًا في مثار الحديث عن جدوى التلاقي الثقافي بين بني البشر، فالاختبار الصعب الذي عاشته الشعوب العربيّة في خضم الحروب الطاحنة والأزمات الاقتصاديّة الخانقة، أخذ بالعائلات صوب الهجرة، واللجوء إلى بلاد العالم كافة، هربًا من واقعها المزري، الذي حطّم مستقبلها وتاجر بأبنائها.

هذه الموجات البشريّة ضربت شواطئ الثقافات العالميّة الأخرى، قارعة أجراس الخطر الذي يُهدّد قيمها ومبادئها، التي أرستها على صخرة دساتيرها، وبات اندماج الجماعات أمرًا غاية في الصعوبة، فقد أضحت في بيئة تختلف عنها بلغتها وعاداتها وتقاليدها، والأهم هي القوانين التي لم تألفها في بلادها الأم، وهكذا انشطر الناس بين رافض للواقع، ومنفتح على عالم جديد فيه ثراءً وتلاقيًا مثمرًا.

من جانب أخر، يخوض مواطنو دول اللجوء غمار تحدي القبول، فهنالك من يرفض هؤلاء الناس الذين سكبوا مشكلاتهم على كاهل الدولة ليُشكلوا عبئًا يزاحم المواطنين على مواردهم وحقوقهم في وطنهم، وهناك من فتح ذراعيه مُرحبًا بلقاء الإنسان مهما كانت أصوله وانتماءاته وأفكاره، فما يجمع بين البشر أسمى وأعظم.

هذا النوع الأخير من السلوك الفكري، هو ما يبتغيه عصرنا ضمن نطاق الاحترام المتبادل المتمثل بطاعة الأنظمة والقوانين عن طريق إدراك الواجبات والعمل بها، لنيل الحقوق التي تنص عليها الدساتير.

ليس غريبًا ما حدث، ويحدث، فلقاء الثقافات لا يكون في الغالب لقاءًا وديّاً سمحاً، بل مدعاة للتصادم واشتعال فتيل الأزمات، ذلك بأن الإنسان غالبًا ما يميل إلى الانجذاب لشبيهه، واللجوء إلى جماعات يجدُ فيها مرآة لنفسه تعكس له ما يَنشد رؤياه ويطيب سماعه لا العكس، وهنا لا بُد من الإشارة إلى الأثر التربوي، وأهميّة زرع البذور الإنسانية منذ أن يُبصر الإنسان نور العالم لينشأ بفكر نيّر واسع الأفق.

إن الإخاء العالمي بين الشعوب، يُحتّم الخوض في مغامرة الانفتاح على ثقافات المسكونة جمعاء، بهدف تلاقيها وتلاقح ثقافاتها سعيًا إلى عيش السلام، وتذليل التفاوت الفكري بين الناس، ولا بأس بقليل من التصادم، فالاشتباك الثقافي بين البشر خيرٌ من ترسيخ الجهل عبر التقوقع ورفض الآخر وتجزئة المجتمعات.
#بلا_حدود