الخميس - 26 نوفمبر 2020
الخميس - 26 نوفمبر 2020

الكُسْكُسِي».. وهوية المغرب العربي

د. محمد شطاح مدير برنامج الاتصال والإعلام جامعة العين ـ أبوظبي

دخلت إحدى الجمعيَّات التعاونيَّة للتسوق.. وقعت عيني على بطاطس معروضة للتو، فراقت لي، فعبأت كيساً في حدود 5 كلغ، ثم أكملت تسوقي ببعض السلع والحاجيات، اتَّجهت بعدها لأزن كيس البطاطس، فكان هناك عدد من المتسوقين، انتظرت، وعندما جاء دوري، بدأت في تسليم بعض الأكياس ومنها البطاطس إلى القائم على الميزان، وفي لحظة سهو سحبت كيس بطاطس غير الذي كان معي، فإذا بشخص يمسكني، هذا كيسي، وبدون تردد أجبته:

ــ أهلاً، الأخ من المغرب العربي.


الرجل: وكيف عرفت؟

ـــ من كيس البطاطس طبعاً.

الرجل مرة أخرى: ومتى صارت البطاطس وثيقة جنسيَّة؟

ــ أخي العزيز ليست البطاطس في حد ذاتها ولكن في الكمية، لأن البطاطس غذاء رئيسي في بلاد المغرب العربي، إلى جانب طبق الكسكسي.

ابتسم الرجل وأضاف: صدقت أخي.

قبل فترة تخاصم المغاربة حول أهليّة أي بلد بهذا الطبق، وقدمت طلبات منفردة إلى منظمة اليونيسكو لتسجيل هذا الطبق كتراث علمي وثقافي، ونشبت حرب داحس والغبراء في وسائل الإعلام وعلى مواقع التواصل الاجتماعي، وراح كل بلد يورد الأدلة والحجج والبراهين على أحقيّته بهذه الأكلة، وهدأت النفوس بعد أن تفوق صوت العقل والمنطق على صوت الشوفينية والوطنية الضيقة، فقد اهتدى عقلاء هذه البلدان إلى حل، حيث تقدمت دول المغرب الكبير: المغرب والجزائر وموريتانيا وتونس، بطلب مشترك لليونيسكو لاعتماد طبق الكسكسي أو «اسكسو» كتراث إنساني ثقافي غير مادي.

وحسب «جميل مطر» في مقال له في جريدة «الشروق» المصرية، كان الرئيس اللبناني «شارل الحلو» يعقب على اجتماعات القادة العرب ومناقشاتهم في مجالس الجامعة العربية بالقول: إن للعرب ثقافتين، ثقافة أكلة الأرز وثقافة أكلة الكسكسي، وإن إحداهما، وهي: ثقافة أكلة الكسكسي تبدأ حيث تنتهي ثقافة أكلة الأرز في مدينة مرسى مطروح غرب الإسكندرية.

ويرى كاتب المقال أن البحوث والدراسات أثبتت أن للأكلة الرئيسية دوراً في تشكيل الفكر البشري، ومنحه جانباً من الخصوصية، فأهل الكسكسي وهم أهل القمح يتميز سلوكهم بطغيان النزعة الفردانية، والاعتماد على النفس، والعصامية، بينما تميل مجتمعات الأرز إلى العمل الجماعي، والاثنان مرتبطان بطريقة زراعة المنتجين، فالقمح نبات قوي لا يحتاج إلى الكثير من المياه ويصمد في وجه قساوة الطبيعة، في حين تحتاج زراعة الأرز إلى روح التعاون والعمل الجماعي، وهذا ما يميز شعوب آسيا عموماً حيث يذوب الفرد وسط الجماعة، ولا يمثل فيها سوى حلقة تكمل باقي حلقات الإنتاج.

أوردت هذا الحديث حول البطاطس والكسكسي لتأكيد فكرة أن الحدود بين الدول قد تحددها التضاريس الطبيعية كالبحار والوديان والصحاري، أو اللغات واللهجات، أو اللباس والعادات، فكذلك عادات الأكل والاستهلاك قد تشكل حدوداً للبلدان والأوطان، فكل دولة أو منطقة جغرافية في العالم تتوحد حول أكلات معينة، فنجد «الفول»، و«الملوخية» و«البامية» في مصر، و«الكبة» في سوريا، و«الهريس» في الإمارات، و«المنسف» في الأردن، و«المسكُوف» في العراق، و«المندي» في اليمن، و«السباغيتي» في إيطاليا و«الباييلا» في إسبانيا، و«الصنداي روست» في بريطانيا.

وحتى على مستوى البلد الواحد فنجد حدود المحافظات والأقاليم ترسمها الأكلات المحلية، كأن تشتهر منطقة قسنطينة في الجزائر بطبق «الحمص»، و«الدوبارة» في الوادي و«الشخشوخة» في بسكرة، و«الكارنطيطا» في وهران.

الخلاصة: أنّ قوت السَّاكنة يتشكل عبر العصور، ويتطور ويستقر في شكل معين، ويظل على هذه الحال، عامل توحيد وترابط وتقارب بين أفراد الشعوب، وهذه حال المغرب العربي الكبير، الذي توحده اللغة والدين والعرق، وكذلك الكسكسي والحريرة والبطاطس.
#بلا_حدود