الاحد - 01 نوفمبر 2020
الاحد - 01 نوفمبر 2020

هوية النظام العالمي الجديد

عبدالله العولقي كاتب ـ السعودية

يقول البروفيسور دونالد تشارلز هليمان، أستاذ الدراسات الدولية بجامعة واشنطن «إن العالم يمر الآن بعصر متغير ومبتكر، ويجب أن نفهم جيداً أن التكنولوجيا هي القوة المحركة لهذا التغيير»، فهذه التغيرات المتسارعة في التقنية والتي يصفها البعض بتدشين حقبة مستقبلية تسمى العولمة الجديدة، هي مرحلة تتشكل الآن وبتوائم جيد مع مفرزات المستقبل القادم كالذكاء الاصطناعي وإنترنت الأشياء.

عندما عصفت جائحة كورونا بالعالم في مستهل هذا العام 2020، تحدث كثيرون عن انقضاء عهد العولمة التقليدية، وبدء عصر جديد تتحدد أطره بانكفاء الدول والشعوب داخل أسوار حدودها الجغرافية، تماماً مثلما تسبب كورونا في فرض (حظر التجوال)، ولا شك أن هذه الرؤى السلبية قد تشكلت بعد أن توقفت خطوط الملاحة الجوية والبحرية، وتعطلت حركة المسافرين والمطارات والموانئ، كما بقيت السفن التجارية حائرة بين أمواج البحار والمحيطات، وهذه الصور الصعبة ـ التي ربما لم تشهدها البشرية من قبل ـ انعكست رؤاها في نظر البعض على انتهاء حقبة العولمة التقليدية، بينما الواقع الفعلي ينذر بتشكل حقبة من العولمة ولكن بنمطية جديدة، تشهد عليها عدة تجارب على المستوى العالمي.


فعلى سبيل المثال، مظاهر العولمة الجديدة نراها اليوم ـ وعلى نطاق واسع ـ تتشكل عموماً عبر انتقال آلية التجارة الدولية من فكرة النمطية التقليدية (الحاويات)، التي كانت تعج بها موانئ العالم في الشرق والغرب إلى فكرة (الطرود البريدية) التي بدأت تتشكل بصيغتها الإلكترونية عبر موقعي (علي بابا و أمازون ) على سبيل المثال، ما مكن التجار ورواد الأعمال من تنفيذ أوامر البيع وحجز البضائع، ومن ثم نقلها عبر الطرود التجارية لتصل إلى أي عنوان في العالم بكل يسر وسهولة. هذه صورة واحدة من مشاهد العولمة الجديدة الكثيرة والمتنوعة، التي أسفرت عن قفزات هائلة، وتطورات عظمى لدى شركات البريد العالمية خلال السنوات الماضية، والتي كانت مهددة بالانقراض التام بعد اختفاء مفهوم (الرسالة الكتابية) في ظل الطفرة التقنية لوسائل التواصل الاجتماعي.

وبهذا، تتشكل العولمة الجديدة كهوية جامعة للثقافات البشرية، وعلى هذا الأساس يمكن القول: ستظل التغيرات المناخية هي أبرز تحديات العولمة الجديدة وهويتها الإنسانية، نظراً لما تشكله من قيود وموانع لإبراز لتلك الهوية على صورتها الحضارية المرجوة، فارتفاع درجات الحرارة بهذه الصورة القياسية، وما سببه من حرائق كارثية في غابات الولايات المتحدة ومحميات الأمازون، بالإضافة إلى ارتفاع منسوب مياه الأنهار بصيغة مفاجئة، وما شكله من فيضانات مدمرة مثلما حصل في السودان مؤخراً، هي تحديات صارخة أمام تشكل هوية العولمة الجديدة بصورة إنسانية.

إن العولمة ـ بنسختيها القديمة والجديدة ـ تعبّر عن نمطية اقتصادية بحتة، ولكن التدخلات السياسية دائماً ما تفرض قيودها وتشكلاتها على الواقع، ولهذا يقلق الاقتصاديون والباحثون كثيراً من سباق السطو على هوية العولمة الجديدة بين الهيمنة الصينية (علي بابا) أو الهيمنة الأمريكية ( أمازون)، ولهذا تتجدد مطالبهم بتأسيس نظام حديث يتواءم مع العولمة الجديدة ويسمح بالحرية الاقتصادية لضمان المنافسة العادلة والشريفة بين كل شركات التجارة الدولية.
#بلا_حدود