الاحد - 01 نوفمبر 2020
الاحد - 01 نوفمبر 2020

أنقذوا قطاع الاقتصاد الفني

أسيل الرملاوي كاتبة صحفية ـ فلسطين

كشرخٍ بدأ في التصدّع، توالت الأخبار عن تهالك جدران الوسط الفني وتحديداً جدران معارض الفن التشكيلي والفنون الجميلة.. الوضع الاقتصادي المثقَل بالأعباء، في ظل كساد الطلب على الأعمال الفنية، تسبب في تغيّر معطيات، أوليات، ومتطلبات الأسر والأفراد في ظل جائحة كورونا.

هذا الكساد كان يلقي ثقله بصمتٍ على كاهل أصحاب المعارض الفنية، فتسرّبت الشائعات عن محاولات بعض المعارض الصمود في وجه تداعيات الأزمة العالمية، والبدء ببيع نسخٍ من الأعمال الفنية كبديل عن بيع تلك الأصلية منها، في محاولة لتفادي الإفلاس التام، إلى أن أُطلقت الصرخة المدوّية في انهيار أحد أهم التجمعات الفنية في دولة الإمارات، ألا وهو تجمع معارض «مؤسسة السركال الثقافية» في منطقة الفهيدي.


مئات من الفنانين قد أُرغموا بين ليلة وضحاها على جمع أشلاء أعمالهم الفنية، التي كانت تستظل تحت سقف هذا المركز الحضاري الذي جمع كافة أطياف الفن والثقافة من جميع الجنسيات.

من لم يزُر مؤسسة السركال الثقافية في منطقة الفهيدي، فقد فاته مصافحة أكُف الماضي المعانقة لجمال الفن المعاصر بين أحضان براجيل دبي العريقة، لذلك هي خسارة كبرى تستدرجنا قصراً لإعادة النظر في الأسباب، التي أدت إلى توقف نبض الحياة في أوردة سككها العتيقة بشكل مفاجئ.

الشحوب قد حلّ محل الألوان المبهجة على وجوه الفنانين، وهو نتيجة الخوف من المستقبل المعتم الذي قد ينتظرهم من تدهور الحالة المعيشية، بعدما أقفلت واحدة من أهم مصادر دخلهم المعتمد على بيع أعمالهم الفنية، وهي ليست خسارة للفنانين المحليين والمقيمين في الدولة وخارجها فحسب، بل وخسارة كبرى لعشّاق الفنون الجميلة والباحثين عن مصدر للوحي وتنفس الإبداع.

ما يجب استدراكه هو أن قطاع الفنون الجميلة جزء لا يتجزأ من منظومة تكامل اقتصادي هرمي الشكل، تقوم عليه شرائح مجتمعية كاملة، إن تأثَّر هذا القطاع تأثرت بدورها تلك الشرائح وأثّرت، على المدى البعيد، في كامل المنظومة الاقتصادية في الدولة.

«الفنون الجميلة تلعب تماماً دور النحلة، غير الملحوظ، في سير نظام الطبيعة، التي ما إن اختلّت فإنه لن يبقى للإنسان إلا سنوات قليلة للاختفاء بعدها».. هذا الرأي للعالم ألبرت أينشتاين، ذكره قبل ما يقارب 50 عاماً، وهو ما نتوقعه لاقتصاد العالم بعد ما يقارب 50 عاماً أخرى إن لم تضع الدول في حسبانها إعادة جدولة الأوليات، لتضمن رعاية قطاع الاقتصاد الفني، وتحديداً قطاع الفنون الجميلة، وفي هذا السياق يقول أيضاً إرنست فيشر: «الفن أداة أو سلاح سحري في يد الجماعة الإنسانية في صراعها للبقاء».

لا ننكر بأنه ما يزال هناك أمل يدبّ في كيان المهتمين بالفن بوجود منطقة «السركال أفنيو» كشريان رئيسي ينبض بالحياة، لكن إقفال أبواب «مؤسسة السركال الثقافية» في منطقة الفهيدي ما هي إلا أولى خرزات السبحة الفنية، التي إن لم يتم تدارك انقطاع أوصالها ستتبعها بقية المرافق الفنية التي تعتبر أقل قدرة على المقاومة والصمود مقارنة بنظيرتها.

نوجّه الرسالة للوزارات والدوائر المعنيّة كوزارة الشباب والثقافة ودوائر التنمية الاقتصادية في اتخاذ إجراءات عاجلة تتضمن حزم دعم مالية، وسنّ بعض القوانين الاستثنائية التي قد تسمح بتجديد عقود إيجارات المراكز الفنية دون مقابل لعام أو أكثر.

وهذه الالتفاتة، إن تحققت، فلن نجني ثمارها بسرعة البرق، ولكن، وكما الغيث، ستنعش هذا القطاع الحيوي تدريجياً، منقذة الحلقة التي قد تصنّف الأضعف والأقل أهمية، لكنها حتماً حلقة اقتصادية أساسية، وبها قد يتحقق ما ذكره إرنست ليفي: «ستبدأ الإنسانية بالتحسن عندما نأخذ الفن على محمل الجد، كما الفيزياء أو الكيمياء أو المال».
#بلا_حدود