السبت - 05 ديسمبر 2020
السبت - 05 ديسمبر 2020

التنوير.. والمسلك الأخلاقي

ليث نالبانديان كاتب عراقي مقيم في فرنسا

عصر التنوير المنبثق من الحركة الأوروبية الفكرية العلمية، والمشتمل على مجموعة من الأفكار، التي تركز على سيادة العقل، أرسى بفلسفته الأخلاقيّة، قواعد نظريّات «العقد الاجتماعي» لقوانين الدول، واضعاً الأسس لبناء علاقة قانونيّة بين المواطن والحاكم، سمّتها الاحترام المتبادل، ومعرفة الحقوق، وتفهّم الواجبات لكلا الطرفين.

بيد أن هذه العلاقة القانونيّة القائمة على عقد حاله كحال العقود القانونيّة الأخرى في الحياة، تتعرّض لخروقات فرديّة كانت أم جماعيّة تضعف من قوة هذه العقود وتحيّد جدواها، مقوّضة على مراحل، المبادئ الأخلاقية.


ولكن مع مرور الزمن وزخم التجارب، أسهمت هذه التنظيرات بترسيخ مفهوم الانتزاع الأخلاقي، واتّضحت شيئاً فشيئاً نسبية النجاعة القانونية وهشاشتها، ذلك بأنها أهملت العمل على جوانب التنشئة الأخلاقية للمجتمعات، والأخذ بعين الاعتبار تنمية النزعة الأخلاقية الطوعية التي تعبّر عن الرؤية الحقيقية للإنسان، عوض انتزاع الأخلاق بقوة قوانين العقود الاجتماعية.

في المقابل، كما هي الأخلاق نزعة، فالتمرّد نزعة أيضاً، ووحدها التنشئة الأخلاقية المتجهة صوب الإنسان، ستسهم في كبح جماح التمرّد وتقليص دائرة التطرّف في العالم، إذ من الضرورة الاحتماء بسقف الوحدة الإنسانية كونها المصدر الرئيسي للمنابع الأخلاقية والغذاء الحقيقي للسلام بين البشر.

‏لا شك أن هذه آمال يوتوبية تندرج ضمن أحلام المدينة الفاضلة، لكنها ليست ببعيدة عن تحقيق جزئي لها وإن كان على مراحل، إذ لا بد من إدراك أن الخير العام يأتي نقياً من مجتمعات تتوق للأخلاق مسلكاً، لا عنوة وانتزاعاً، وإن كان الأخير خيراً من الانفلات وضياع الاثنين.
#بلا_حدود