السبت - 05 ديسمبر 2020
السبت - 05 ديسمبر 2020

حرب القوقاز.. أهداف أردوغان ومكاسبه

فادي عيد وهيب باحث ومحلل سياسي ــ مصر

يبدو في الأفق توافق نسبي بين الأطراف الفاعلة في الملف الليبي على تقزيم الحرب هناك على الأقل، في ظل جهود مصرية جبارة لإخراج كافة العناصر المسلحة الأجنبية من ليبيا، وهنا كانت المعضلة الأولى أمام أردوغان من يجلس على مقعد طرابلس الأول، فايز السراج أم فتحي باشا آغا، خاصة وهو يدرك أن الداعمين لطرفي الحرب الليبية مقبلون على تقديم تنازلات والتضحية ببعض الأسماء كي يستمر المسار السياسي، الذي بات الكل يدفع نحوه، كي تحافظ الولايات المتحدة وبريطانيا على الأقل على عدم إحداث خلل بين كفتي الصراع بعد الخط الأحمر المصري على سرت والجفرة.

وكانت ثاني معضلة لأردوغان في ليبيا هي مصير المرتزقة الذين جلبهم إليها، في ظل الصراعات الجانبية بينهم بغرب ليبيا، حتى صار مصير مرتزقة أردوغان في ليبيا واحداً من 3، الأول: التجنيس بالجنسية الليبية والانضمام لجهاز شرطة فتحي باشا آغا، والثاني: تركهم للموت على عتبات «سرت» إن تمادوا في غبائهم وطمعهم، والثالث: سحب بعضهم من ليبيا لحدود أذربيجان مع أرمينيا، تجنباً لصراع فيما بينهم، ولمنح أردوغان الأفضلية في القوقاز كما كان في شمال سوريا وغرب ليبيا، بعد أن تلقى الضوء الأخضر لإشعاله بيوليو الماضي.


وبالتأكيد عندما نشبت المعركة بين أرمينيا وأذربيجان، فإن تركيا لم تكن المتدخل الوحيد بميدان القوقاز بل معها إسرائيل في نفس الخندق والسبب جارة أذربيجان الجنوبية إيران، كي تكون المعركة ثلاثية الأبعاد، بحرب بدت للعين المجردة بين أذربيجان وأرمينيا، وفي بعدها الثاني تركيا ضد أرمينيا، وإسرائيل ضد إيران، وفي بعدها الثالث الناتو ضد روسيا.

وهناك محور يجر روسيا عبر أدواته لحرب بأقرب نقطة لحدودها، وأبرز تلك الأدوات تركيا وأذربيجان وأوكرانيا، فتداعيات ضم روسيا للقرم 2014 لم ولن تنتهي بعد، وطبعاً تركيا أبرز الداعمين لأذربيجان وأوكرانيا معاً، ولا ننسى تأييدها حق كييف في القرم، وكنيستها بالقسطنطينية أعطت شرعية انفصال الكنيسة الأوكرانية عن كنيسة موسكو الأم، وتتار القرم (المرتبطون لغوياً وعرقياً بتركيا) تبنوا كل العمليات التخريبية بالجزيرة.

وتبقى هناك نقطة واحدة فقط إيجابية لروسيا في عدوان أذربيجان على أرمينيا، وصمت الولايات المتحدة عن ذلك، وهو أن رئيس الوزراء الأرميني الموالي للغرب صار مجبراً على الهرولة نحو موسكو، وهذا ما لم يدركه باشينيان، بأن أرمينيا لا صديق لها إلا روسيا، كما هي حال الأكراد لا صديق لهم إلا الجبال، وكلهما تأذَّى بشدة من أردوغان في الأيام الماضية، ولهذا تدخلت روسيا لأجل إيقاف الحرب.

والآن وبعد مرور أكثر من أسبوعين على الحرب بين أذربيجان وأرمينيا، وربما أوشكت أن تضع أوزارها نتيجة الضغط الدولي نستطيع القول: إن أردوغان نجح في تحقيق هدفه الاستراتيجي البعيد من تلك الحرب ألا وهو خلط الأوراق مُجدّداً، ووضع الأضداد في وجه بعض من جديد، كي يلعب على التناقضات بينهم، فإسرائيل التي انزعج منها أردوغان بشدة لتطبيع علاقاتها مع الإمارات، حتى إنه هدد بسحب سفيره من أبوظبي، أعادها اليوم مجدداً إلى صفِّه بعد أن ثبَّت أقدامها بالقرب من حدود شمال إيران.

كما قدّم هدية غالية الثمن للدولة العميقة في واشنطن بخلق «شيشان جديدة»، في وقت حساس جداً قبل الانتخابات الأمريكية المقبلة، التي يتخوف منها أردوغان سواء جاءت نتيجتها ببقاء دونالد ترامب في الرئاسة أو بفوز جو بايدن بها، فالأول قد ينحاز للعرب بفعل موجات التطبيع، والثاني صرح بأن أردوغان ديكتاتور وسيسقطه من الداخل.

ولا عجب من تصرفات أردوغان فهو من وعدنا بأن يصلي في الأقصى قريباً فور توليه رئاسة تركيا منذ سنوات طويلة، وهو من حينها يتوضأ بدماء المسلمين في العراق وسوريا وليبيا والصومال والآن بالقوقاز ولم ينته بعد.
#بلا_حدود