السبت - 05 ديسمبر 2020
السبت - 05 ديسمبر 2020

معيار الفضل.. والمعروف

ظلال عبدالله الجابري كاتبة ـ الإمارات

في كتاب الأغاني لـ«أبو فرج الأصفهاني» قصة عن حسان بن ثابت أنه كان يغدو على جَبَلة بن الأيهم، فيغدق عليه بالعطايا، فقرر فيما بعد أن يخرج لقريبه الحارث؛ لأنه كان معروفاً أيضاً بالعطاء والكرم.

قال: فخرجت حتى قدمت على الحارث وقد هيأت له مديحاً، فقال لي حاجبه -وكان لي ناصحًا-: «إن الملك قد سر بقدومك عليه، وهو لا يدعك حتى تذكر جَبَلة، فإياك أن تقع فيه فإنه إنما يختبرك، وإن رآك قد وقعت فيه زهد فيك».


والقصد أن الحارث سيختبر معدن حسان وشرف همته ونفسه عن طريق اختبار مدى وفائه وعرفانه بالجميل لجبلة، الذي كان يغدق عليه بالعطايا ويعزه ويكرمه، فمن يذكر المتفضل عليه بالخير عندهم يكون مستحقاً للتكريم والاحترام، ومن يذكر المتفضل عليه بالسوء يكون مستحقاً للإبعاد والازدراء.

فلذلك من يعتقد أنه إذا أنكر جميل المتفضل عليه، وجحد ما قدمه له من مال وعون، والأسوأ من ذلك ذكره بالسوء.. إنه بفعله هذا سيُسقط من تفضل عليه من أعين الناس، وسيرفعه هو ذلك عندهم يكون مخطئاً جداً، وهو بذلك لا يسيء إلا لنفسه.

لقد كان -وما يزال- الوفاء والاعتراف بالجميل لصاحب الفضل قديماً وحديثاً يميزان صاحب المعدن الطيب، ويكشفان شرف النفس، والمعيار لاستحقاق الفرد كرم المعاملة والاحترام، أو سوء المعاملة والازدراء، وذلك عند العدو قبل الصديق، ولا يندم صاحب الجميل والفضل إذا ما تعرض للجحود والنكران لفضله وإحسانه فالعاقبة له دنيا وآخرة.

وفي هذا السياق، يقول الرياشي، كما ذكر القرطبي في تفسيره، وفي مصادر أخرى يقول عبد الله بن المبارك:

يد المعروف غنم حيث

كانت تحمّلَها كفور أو شكور

ففي شكر الشكور لها جزاء

وعند الله ما كفر الكفور
#بلا_حدود