السبت - 05 ديسمبر 2020
السبت - 05 ديسمبر 2020

أردوغان.. والمخطط الجديد لإبادة الأرمن

محمد مسعود الأحبابي باحث سياسي ـ الإمارات

خيّم الهدوء على الأجواء السورية والليبية، وانتقلت الحرب التي كان ينتظرها العالم بين مصر وتركيا في ليبيا إلى جنوب أوروبا بين اليونان وتركيا، بفعل الخط الأحمر المصري على سرت والجفرة كي يصطدم أردوغان بخط أحمر آخر جاء من فرنسا في بحر إيجة، وأحكمت اليونان تسليح جزرها فيه، خاصة جزيرة كاستيلوريزو التي تبعد 2.8 كم عن الساحل التركي، كي تنتقل أي حرب محتملة تنتظر تركيا من جنوب أوروبا بالمتوسط إلى قلب تركيا.

لقد أُغلقت أبواب المُخاتلة التركية، وأُحكمت القبضة على عنق الليرة وعلى الاقتصاد التركي بشكل عام، فكان على أردوغان البحث عن ورقة جديدة يبتز بها الكبار ويساومهم.


أردوغان يعي جيداً أن الانتخابات الأمريكية المقبلة -مهما كانت نتيجتهاـ لن تكون في صالحه، وأن ترامب قد يتخلى عنه، خاصة في ظل التطبيع العربي الإسرائيلي، كما أن الأجواء الأمريكية الحالية -وربما المستقبلية- ليست في صالح أردوغان أيضاً بعدما دعا المرشح الديمقراطي للرئاسة الأمريكية جو بايدن إلى تغيير السياسات الأمريكية ضده، وأبدى دعمه علناً للمعارضة التركية لدحر حكومته، وتوعده بـ(دفع الثمن) قائلاً: «أردوغان دكتاتوري وسأسقطه من الداخل».

وجنَّ جنون العثماني، وجذبته رائحة الدماء، وهام على وجهه ليشعل فتيل الحرب بين أرمينيا (صاحبة التواجد العسكري الروسي الأكبر)، وأذربيجان (أكبر منافس للغاز الروسي في السوق الأوروبي، وبوابة إسرائيل إلى إيران وبحر قزوين)، ونقل آلاف المرتزقة التكفيريين -أصحاب الجنسية السورية والتركمانية- من غرب ليبيا وشمال سوريا نحو حدود أذربيجان مع إقليم ناغورنو قره باغ، وتحول الصراع العسكري بين الجيش الأذربيجاني والجيش الأرميني إلى حرب تركية ضد الجيش الأرميني، بأسلحة إسرائيلية كتبت التفوق لأية مواجهة انتصرت فيها أذربيجان على أرمينيا.

وفتح أردوغان جبهة جديدة لعلها تضيف شيئاً لرصيده الذي تم تصفيره بفعل تهوره الأعمى، وألقى نيرانه بإقليم ناغورنو قره باغ، ليمتلك ورقة جديدة يبتز الروس بها من جهة، ويغري الأمريكيين من جهة أخرى، وكأنه يقول له: طريقكم إلى القوقاز وبحر قزوين يمر من هنا من قصر يلدز (قصر الرئاسة التركية).

والمؤاشرات لِما ذهبنا إليه لا يعوزها الدليل، فقبل شهرين من الحرب الأذربيجانية الأرمينية، وتحديداً بداية أغسطس 2020 كانت تلك المنطقة على موعد مع المناورات التركية (الأذريَّة الضخمة تحت مسمى «النسر التركي-الأذربيجاني 2020»)، وقد استخدمت هذه المناورات كافة الأسلحة الثقيلة، ومختلف أنواع السلاح في الجيشين التركي والأذربيجاني لتكون التجربة الأخيرة قبل نشوب المعركة الدامية بين أذربيجان وأرمينيا مع نهاية سبتمبر2020.

وحضور سلجوق بيرقدار (صهر أردوغان) ومدير الشركة المصنعة لطائرات دون طيار «بيرقدار» في باكو، قبل إشعال تلك الحرب ما كان إلا تأكيداً على أن ما ارتكبه الأتراك في غرب ليبيا، سيتكرر بالكيفية نفسها، وسعياً وراء الأهداف نفسها تقريباً، سوى أنه سيكون على الحدود الأذرية الأرمينية.

في ثاني أيام الحرب المتأججة بين أذربيجان وأرمينيا حلّقت مقاتلات F16 التركية في سماء أذربيجان بالقرب من حدود أرمينيا لتؤكد على أنها حرب تركية سابقة الإعداد والإخراج على يد أمير الإرهابيين، وخليفة الدواعش، أردوغان وحده دون غيره.

ولم يعد خافياً أن تركيا هي المحرّك الأول للحرب بين أرمينيا وأذربيجان، وأن أذربيجان تخوض اليوم حرباً مفتعلة بالوكالة عن الرئيس التركي لإنقاذ ما يمكن إنقاذه من رصيده السياسي الخارجي، الذي شارف على الانتهاء، وقاعدته الشعبية الداخلية التي أشرفت على التآكل التام.

ولكن إذا اختنقت وأُحبطت جميع محاولاتك الاستنزافية بين بقعة وأخرى، فماذا تفعل يا أردوغان! أعتقد أنك ستنخر في أرض جديدة.
#بلا_حدود