الخميس - 26 نوفمبر 2020
الخميس - 26 نوفمبر 2020

صراع الهوية المفتعل في الجزائر.. هل ستتم «دَستَرته؟»

محمد سعدي كاتب ومحام ـ الجزائر

تعيش الجزائر منذ شهور، ومع بداية نشر مشروع تعديل الدستور، لغطاً كبيراً حول الهويَّة الجزائرية، بين من يتمسك بالأصول العربية الكنعانية الفينيقيّة للجزائر، وبين من يحاول نكران هذه الأصول، والقول: إن الأصل السكاني للجزائر ـ تحديدا ما قبل السلام ـ هو أصل إفريقي لا علاقة له بالمشرق العربي، لا لغة ولا حضارة ولا انتماء، وإن العنصر العربي في الجزائر مجرد استعمار باسم الإسلام، وإن اللغة العربية دخيلة، وإن لغة الجزائر الأصلية الموروثة هي اللغة الأمازيغية.. إلخ.

وبالرغم من طرح جملة من القضايا، في مشروع التعديل الدستوري، إلا أن محور النقاش الأساس ـ كما ذكرنا أعلاه ـ يدور حول قضية التفاضل بين العربية وبين ما يسمى بـ«الأمازيغية»، والغريب أن هذه اللغة المزعومة لا وجود لها في أي مراجع تاريخ اللسانيات القديمة منها والحديثة، بل هي مجرد شتات من لهجات صوتية منتشرة هنا وهناك، وحتى هذه اللهجات، والتي يفوق عددها الـ 17 لهجة ـ غير متشابهة ولا متجانسة من حيث الكلمات والنطق والاستعمالات، وهذا ما يؤكده مشروع الدستور نفسه في مادته الرابعة، حيث نص عليها تعريفاً، بأنها«تامازيغت بكل اللسانيات».


والتعريف السابق يقدم دليلاً على عدم وجود هذه اللغة المراد جعلها رسمية ووطنية، مثلها مثل اللغة العربية المنصوص عليها في كل الدساتير الجزائرية، بداية من أول دستور سنة 1963 بعد الاستقلال، ناهيكم عن بيان أول نوفمبر 1954، الذي يعتبر أرضية إعادة تأسيس الدولة الجزائرية، وبعثها من جديد بعد أن غيّبها الاستعمار الفرنسي لأكثر من 130 سنة، يطرح العربية لغة وطنية بلا منازع.

والملاحظ أن هذا اللغط الواقع حول الهوية، تتحكم فيه لوبيات نافذة داخل دواليب الحكم، ومؤثرة في صناعة القرار، وقد تكون لها امتدادات غربية أجنبية، خاصة الفرنسية منها، بدليل أنها فتحت منابرها الإعلامية لدعاة الأمازيغية بمن فيهم فئة دعاة الانفصال.

والمشكلة القائمة الآن، أن أي نقد أو انتقاد لهذه الفئة الظالمة، قد يوصل صاحبه للمساءلة القضائية تحت دعوى (الكراهية)، وهي ظاهرة غريبة برزت منذ شهور فقط، ما تسبب في حدوث شروخ اجتماعية خطيرة داخل مكونات المجتمع الجزائري، الذي ظل سليماً ومنسجما طيلة آلاف السنين، وكأن القضية رتب لها، وتم تركيبها في ظل الـ20 سنة الأخيرة، ليتم استعمالها في الوقت المناسب، وأن المرحلة الحالية هي الفرصة السانحة لاستعمالها لتلهية المواطن الجزائري على ما كان يطمح إليه خلال حراك 22 فبراير 2919.

المواطن الجزائري يعتبر الصراع حول الهوية، مجرد هروب إلى الأمام ومحاولة ترضية منطقة جغرافية معينة على حساب باقي المناطق الأخرى، والدفع بالجزائر إلى الانسداد من جديد، والرجوع إلى ما قبل 22 فبراير 2019 عن قصد أو عن غير قصد، خاصة أن غالبية تؤمن بأن هوية الجزائر عربية لغة وانتماء حضارياً، لكن جيوب بقايا الفكر الفرنكفيلي المتجذرة داخل بعض مفاصل الدولة، تلعب على كل الأوتار بجميع الطرق لزعزعة الانسجام المجتمعي باسم الهوية، بعد فشل كل المحاولات السابقة، وأخطرها كانت خلال عشرية الدم والدموع، كادت أن تؤدي بالجزائر إلى حرب أهلية، لولا تفطن الخيّرين داخل الجيش الوطني الشعبي والوطنيين المخلصين، وهو نفس الموقف الذي حدث أثناء الحراك في إطار شعار (جيش ـ شعب.. أخوة، أخوة )، حيث تم التحكم في الأوضاع سلمياً، وانتقلت الجزائر من مرحلة اللاشرعية المفروضة إلى مرحلة الشرعية الشعبية ــ الدستورية، وهذه الوضعية لم تكن لترضي القوى الخفية الحاقدة على الجزائر ـ شعباً وتاريخاً ـ داخل البلاد وخارجها.

بعد هذا كله ينتهي بنا القول: إلى أن اللوم يقع على رئيس الجمهورية عبدالمجيد تبون، الذي فتح ورشة تعديل الدستور في وقت غير مناسب، والآن الأمر متروك للشعب الجزائري في عملية الاستفتاء العام، الذي يأمل أن يكون نزيهاً وشفّافاً.
#بلا_حدود