السبت - 16 يناير 2021
السبت - 16 يناير 2021
No Image

2021.. اللهم اجعلها سنة «لا بأس بها»

يستهل الشاعر اللبناني الراحل «خليل حاوي» قصيدته الشهيرة «الكهف» بالمقطع الآتي:

وعرفتُ كيف تمطُّ أَرجلها الدقائقُ

كيف تجمد، تستحيل إلى عصورْ


وغدوتُ كهفاً في كهوف الشطِّ

يدمغ جبهتي

ليل تحجَّر في الصخورْ.

وينهي القصيدة بقوله:

ربَّاهُ كيف تمطُّ أَرجلَها الدقائقُ

كيف تجمدُ، تستحيلُ إلى عصور.

تذكرت هذه القصيدة، وأنا أودّع السنة الماضية (2020) للعبور إلى السنة الجديدة (2021)، وتراءت لي السنة المنتهية كأنها «كهف» أدخلت إليه البشرية في أقاصي الأرض، من شرقها إلى غربها، ومن شمالها إلى جنوبها، فقد كانت قرناً على بعض، وعصوراً على آخرين.

كانت سنة 2020 مع جائحة كورونا سنة استثنائية في تاريخ البشرية، فهي بالمفهوم الفلكي سنة «كبيسة».. سنة تتطير منها الشعوب، وهي السنة التي يضاف فيها إلى شهر فبراير يوم ليصبح 29 يوماً، لذلك فمواليد هذا اليوم يحتفلون بعيد ميلادهم مرة كل أربع سنوات، وتتشاءم بعض الشعوب من هذا اليوم فتحجم عن الزواج فيه، وبعض البلدان تقدم على حملات توعية بالأمراض النادرة في هذا اليوم، وآخر مظاهر الإحباط في هذه السنة هو أنّ اليوم 29 من فبراير في السنة الكبيسة يوم عمل إضافي غير مدفوع الأجر!

ورد في «معجم المعاني الجامع» بخصوص كلمة كبيسة ما يلي: «كَبيسة فلكياً هي السَّنة الشمسيّة التي يُضاف فيها يوم إلى شهر فبراير في كلّ أربع سنين، وكبس (فعل)، ومنه: كبَسَ / كبَسَ على، يَكبِس، كَبْساً كُبُوساً، فهو كابِس، والمفعول مَكبوس. كَبَسَ البئر: طَمَّها بالتّراب، رَدمهَا. كَبَسَ الزّرّ: ضغطَ عليه. كابوس: (اسم)، الجمع: كوابيس. الكابوس: ضَغطٌ يقع على صدر النائم لا يقدِر معه أن يتحرك». وبهذا المعنى المعجمي فسنة 2020 هي سنة كبيسة بامتياز، فقد كبست وجثمت على صدر البشرية، وضغطت عليه، بالشكل الذي منعها من الحركة والنشاط.

إنها سنة بائسة، لقد فقد الملايين وظائفهم، وعلق الآلاف في مناطق عدة من العالم، وتوقف عدد كبير من الأنشطة الإنسانية، في الصناعة والتجارة، والفلاحة، والفنون والرياضة، وقد عادت بعض الأنشطة في نهاية السنة ولكنها باحتشام، ودون طاقاتها التشغيلية القصوى، ويكفي مشاهدة مباريات كرة القدم (الرياضة الأكثر جماهيرية) عبر شاشات التلفزيون بمدرجات تغصّ بالغائبين، إلى جانب خسائر بالمليارات، فقد كلّف تأجيل الأولمبياد خسائر بلغت 16 مليار دولار، وبلغ حجم خسائر الأنشطة الرياضية عامة في العالم ما يقارب 80 مليار دولار.

يرحل عام 2020، «عام كورونا» ولسان حال البشرية يردد: «عام 2020 عام ضائع، يحسبوه إزاي علينا»، وتستقبل سنة 2021 بعنوان «أمل حياتنا»، فكل من أضاع فرصة عمل، أو علق بإحدى الأمصار، أو حدث له مكروه بسبب هذه الجائحة، يرى في هذه السنة الجديدة فرصة لتعويض ما ضاع، واسترجاع ما فقد، والأمر سيّان عند الأفراد والشعوب، والدول والحكومات. وقد لاحت بعض البشائر بعد شروع عدد من البلدان في حملات تطعيم ضد كورونا، رغم بعض الأخبار التي تحاول إطفاء جذوة الأمل.

ستظل البشرية تذكر أن سنة 2020، كانت سنة كئيبة، حزينة، طويلة، تجمّدت وتحولت إلى عصور، وتمنَّت الناس في العالم رحيل هذه السنة «غير مأسوف عليها».

وتلج البشرية سنة 2021 وكلها أمل في أن تودّع فيها الجائحة، وتعود الأنشطة الإنسانية إلى سابق عهدها، وتختفي مشاهد الكمامات والقفازات وتجهيزات الوقاية من كورونا، ومن شاشات التلفزيون، ومن رفوف المحلات والمراكز التجارية، وتعود العلاقات الإنسانية إلى سابق عهدها، فيتواصل الناس بعد سنة من التباعد، وتبعث الحياة ـ بعد سنة من الحجر الصحي ـ في المقاهي والمطاعم والسَّاحات، وتصدح الحناجر حنيناً إلى سنوات ما قبل كورونا مرددة: «ارجعي يا ألف ليلة»، وبالدّعاء: «اللهم اجعلها سنة لا بأس بها».
#بلا_حدود