الاحد - 28 فبراير 2021
Header Logo
الاحد - 28 فبراير 2021
No Image Info

الفقر.. والوجه الآخر للعبودية

د. إسلام أبوخيط متخصّص في الدراسات المستقبلية ـ الأردن

يعتبر الفقر انتهاكاً جوهريّاً لحقوق الإنسان جميعها، خاصة في العقد الأخير من القرن الماضي، وقد ذهب الزعيم الراحل نيلسون مانديلا أبعد من ذلك في قمة «كوبنهاكن» حين وصف الفقر وصفاً بليغاً باعتباره «الوجه الحديث للعبودية»، لذلك كما ألغت البشرية العبودية في القرن التاسع عشر وجرمتها، هي اليوم مطالبة بإلغاء الفقر وتجريمه، لأنه يتسبب في أشكال جديدة من العبودية، فهو يمس الكرامة الإنسانية، ويحرم الإنسان من التمتع بحقوقه المدنية والسياسية، ناهيك عن الحقوق الاقتصادية والاجتماعية.

وعلى هذا الأساس جاءت الجهود الدولية للقضاء على الفقر، بداية بإعلان الحق في التّنمية الصادر عن الجمعية العامة للأمم المتحدة عام 1986، ومؤتمر فيينا عام 1993، والقمة العالمية للتنمية الاجتماعية 1995، وإعلان الألفية والعشرية (1997-2006)، حيث كان الهدف الأول من أهداف التنمية الألفية، تخفيض نسبة الفقراء في العالم إلى النصف بحلول عام 2015، واعتبار ذلك واجباً أخلاقيّاً واجتماعياً وسياسياً واقتصادياً، وقد تمَّ الربط بين الفقر وحقوق الإنسان، والحق في التنمية والحكم الصالح الديمقراطي في الوثيقة العملية الصادرة أواسط عام 2003 عن برنامج الأمم المتحدة للتنمية.


وفي هذا الإطار تجدر الإشارة إلى أن الدراسات الكمية ـ شملت 130دولة ولفترة زمنية تصل إلى خمسة قرون ـ تشير إلى وجود ارتباط بين الديمقراطية والدخل (الديمقراطية والقضاء على الفقر)، حيث أثبتت أن الديمقراطية تؤدي إلى تحسين مستوى الدخل (وبالتالي القضاء على الفقر) أكثر مما يؤدي تحسن الدخل إلى تنامي الديمقراطية.

كما تشير استطلاعات الرأي في عدد متنوع من دول العالم إلى أن معظم النتائج تؤكد انحياز الطبقة الوسطى إلى القيم الديمقراطية أكثر من الطبقة العليا (التي تخشى من أن تضر الديمقراطية بمصالحها ومواقعها في هرم السلطة)، ومن الطبقة الفقيرة (نظراً إلى جهلها)، بينما ترى الطبقة الوسطى أن الديمقراطية ستحسن من موقعها في هرم السلطة، كما أنها تمتلك المعرفة التي تؤهلها لتعزيز موقعها، وهذا يُدلّل على مدى أهمية القضاء على الفقر وزيادة عدد البشر في الطبقة الوسطى لما له دور في تعزيز قيم الديمقراطية وحقوق الإنسان.

إن مفهوم الفقر لا يقتصر على المفهوم السائد لدى العديد من الحكومات العربية وشعوبها، حيث يتمثل في الإطعام من جوع، وإنما هو مفهوم يشمل الإطعام من جوع والأمان من خوف.

بناء على ذلك عرَّفت اللجنة المعنية بحقوق الإنسان الاقتصادية والاجتماعية التابعة للأمم المتحدة الفقر تعريفاً شاملاً، باعتباره «ظرفاً إنسانيّاً يتسم بالحرمان المستدام أو المزمن من الموارد والمقدرات والخيارات والأمن والقوة الضرورية للتمتع بمستوى لائق من الحقوق المدنية والسياسية والثقافية والاقتصادية والاجتماعية.

الأمر الذي يمكن الاستنتاج من خلاله بفشل السياسات والاستراتيجيات الحكومية في كثير من دول العالم النامي، في التعامل مع ظاهرة الفقر، وقد يكون ذلك عائداً إلى الفلسفة الحكومية في التعامل مع ظاهرة الفقر، باعتباره عدم القدرة على تلبية الحد الأدنى من الاحتياجات الأساسية الغذائية وغير الغذائية (الملبس، والمسكن، والتعليم، والصحة، والمواصلات)، وهي فلسفة تبدو قاصرة في (أطعمهم من جوع) ولا ترقى للفلسفة العالمية للظاهرة، التي عبرت عنها مقولة الزعيم نيلسون مانديلا الشهيرة «الفقر هو الوجه الحديث للعبودية»، والديمقراطية تؤدّي إلى القضاء على الفقر، كما سبقت الإشارة.

إن الديمقراطية كنظام حكم يقوم على تحقيق العدالة والمساواة، حيث يكون الشعب هو حاكم نفسه، هي الطريق لحل مشاكل الجوع والفقر، أما سياسات المساعدات والصدقات، فهي سياسة تضيف لمشكلة الفقر، امتهاناً لكرامة الإنسان وإذلالاً له.
#بلا_حدود