السبت - 17 أبريل 2021
السبت - 17 أبريل 2021
No Image Info

أربعون سنة.. وأنا أقول: نثراً

د. محمد شطاح مدير برنامج الاتصال والإعلام جامعة العين - أبوظبي

في مسرحية «البورجوازي النبيل» للكاتب الفرنسي «موليير» يعرض في أحد فصول درس الفلسفة، حواراً يسأل فيه «جوردان» أستاذه عن الفرق بين الشعر والنثر، فيجيبه بأن الحديث الذي يدور بينهما هو النثر بعينه، فيصرخ «جوردان» مبتهجاً: «يا إلهي.. منذ أربعين سنة، وأنا أقول نثراً من دون أن أعرف ذلك.. كم أنا مدين لك بهذا الجميل».

تخرجت في قسم الصحافة والإعلام وأنا مُتشبِّع بأسلوب الكتابة الصحفية، أنهل مما قدمه لي أساتذتي على مقاعد الجامعة، ومما قرأته من مقالات وأعمدة صحفية، وكنت فخوراً بقاموسي الإعلامي والصحفي، وعندما شرعت في تحرير الفصل الأول من رسالة الماجستير وجهت لي المشرفة هذه الملاحظة: «ابني، أقدّر فيك جهدك واجتهادك، لكن أعيب عليك شيئاً، أنت تحرر رسالة علمية، وليس مقالاً أو عموداً صحفياً، تلهب به مشاعر قرّائك».


من يومها بدأت أخط الحدود بين فنون الكتابة، كلما شرعت في كتابة مقال صحفي، أو إنجاز بحث علمي، أو مداعبة نصّ أدبيّ، شعراً كان أو نثراً.

يتكرر هذان المشهدان معي كلما قرأت أو استمعت إلى نص يخلط فيه صاحبه عن قصد أو جهالة بين أشكال الكتابة والتحرير، فيقحم التحرير العلمي والأدبي في التحرير الإعلامي، حيث نجد كثيراً من الكتّاب، وأخص الشّباب منهم، يطلقون العنان لتضمين نصوصهم كمّاً من غريب الكلام والمصطلحات العلمية المعقدة، ظنّاً منهم أن امتلاك ملكة الكتابة وتطويع اللّغة، يقوم على حشد هذا الكم من الكلمات والمصطلحات، وإيماناً منهم بأنّ الكتابة هي فنّ التعجيز، فكلما صعبت الكلمات على القارئ أو السامع بلغ الكاتب شيئاً من الكمال.

وينطبق الأمر أيضاً على من يكتب في الموضوعات العلمية بأسلوب الكتابة الإعلامية، الذي يعتمد على البساطة والوضوح والمباشرة، وهو الشأن نفسه لمن يقتحم موضوعات علمية، ويشبعها تعبيرات صحفية تفقد النّص فوائده وغاياته.

ليعلم هؤلاء أن للكتابة فنوناً، ولكل منها أصولها وقواعدها وطقوسها وأجناسها، رغم تقاطعها أحيانا، فهناك الكتابة الأكاديمية التي تستخدم في تحرير الكتب والرسائل العلمية، والكتابة الأدبية التي تستخدم في النصوص الشعرية والنثرية، والكتابة الإعلامية، وهي أوسطها وأطيبها على حد تعبير أحد الأكاديميين.

وإذا تناولنا الكتابة الإعلامية فهي بالمفهوم البسيط شكل من أشكال التحرير، يتوسل الإعلامي من خلاله وعبر وسائل الإعلام للإخبار بحادثة، أو التعبير عن فكرة، أو الشرح والتفسير لظاهرة. والمحتويات الإعلامية سواء في الصحافة، أو في الإذاعة، أو التلفزيون، هي في البداية والنهاية نصوص مكتوبة.

نكتفي في هذا المقال بتوجيه نصيحتين لممتهني الكتابة الإعلامية في الصحيفة أو الإذاعة والتلفزيون، أو في مواقع التواصل، وهما الالتزام بقاعدتين ذهبيتين أوردهما «عبدالعزيز شرف» في كتابه «فن التحرير الإعلامي» عن العلامة «ابن وهب» في مؤلفه «البرهان في وجوه البيان».

الأولى: أن يكون الكاتب عارفاً بمواقع القول وأوقات احتمال المخاطبين به، فلا يستعمل الإيجاز في موضع الإطالة فيقصر عن بلوغ الإرادة، ولا الإطالة في موضع الإيجاز فيتجاوز في مقدار الحاجة الى الإضجار والملالة.

الثانية: أن يكون واعياً بطبيعة الجمهور الذي يتوجه إليه، يقول ابن وهب: «لهذا استعمل الله عز وجل في مواضع من كتابه تكرير القصص، وتصريف القول ليفهم من يبعد فهمه ويعلم من قصر علمه، واستعمل في مواضع أخرى الإيجاز والاختصار لذوي العقول والإبصار».

وفي كل الأحوال تبقى الكتابة أيّاً كان نوعها من أعظم وأشرف الصنائع التي ابتكرها الإنسان، فقد جاء في «صبح الأعشى» للقلقشندي: أن النّبي ﷺ قال: «قيّدوا العلم بالكتاب»، ووصف «معن بن زائدة» اليد التي لا تكتب بأنها رِجْل. وذكر المؤيد أن: «الكتابة أشرف مناصب الدنيا بعد الخلافة»، وعلّقت الكاتبة الأمريكية «جوان ديديون» Joan Didion (1934): «أنا أكتب حتى أعرف كيف أفكر».
#بلا_حدود