السبت - 10 أبريل 2021
السبت - 10 أبريل 2021
No Image Info

هل عرفتم مَن هي؟

نبيل عرابي كاتب ــ لبنان

إنّ جسم الإنسان ونظامه البيولوجي مبنيّ على توافق إيقاعي بين أجزائه ومكوناته، فمن إيقاع ضربات القلب، إلى إيقاع جريان الدم في الشرايين والأوردة، كما أن حياة الإنسان اليومية مبنية على إيقاع معيّن، وتتم تحركاته بالاستناد إليه.

وبالتعرّف عليها، يُمكن لأي شخص أن يكتشف إيقاعه الشخصي، ويتعرّف على أشكال إيقاعية أخرى، من الممكن أن تساعده في حياته اليومية.


فهي لغة عالميّة، لغة الشعوب بأعراقها وأجناس ألسنتها المتعددة.. لغة قادرة على اختراق الحدود دون تأشيرة دخول، وتحقيق التواصل بين الأمم عندما تمدّ جناحيها فوق الأمواج الهادرة، عابرةً البحار الواسعة، متسللة عبر أثير الهواء المنعش لتعانق أرواحنا، وتنتشلها من هواجسها السحيقة، وتخفف عن أجفاننا أثقالها، مُحْدِثَة تلك السكينة المُرمّمة لبقايا الإنسان الساكن فينا.

إنها لغة الروح، الروح الهائمة على وجهها كمسافر ضل طريقه وسط صحراء مقفرة، لا ماء فيها ولا كلأ، فتستحيل إكسيراً يمدّ شرايين القلب بطاقة الأمل، بعد أن يرسم طريق النجاة، ويزيح نسيج القنوط واليأس من حول القلوب المُتعبة.. الروح التي تمتزج بتغريد العنادل، وأغاني الغدران العذبة، وحفيف أوراق الأشجار المتراقصة.

لها دور إنساني حضاري رافَق الإنسان منذ بدء الخليقة، فواكبت مسيرته في كافة مراحلها، مع إخوتها من الفنون الأخرى كوسيلة للتعبير، ومرآة تعكس الواقع المعيش بأفراحه وهمومه.

أدّت عبر التاريخ دورها في إشعال الحماس في قلوب المحاربين، والخشوع في قلوب المصلّين، وكلّ ذلك ما هو إلا جزء صغير مما يُمكن أن تؤدّيه على الصعيد النفسي، دون الحديث عن العلاج بواسطتها، فالجادّ منها يُسهم في تطوير الفكر المنطقي، بالإضافة إلى تميزها في كونها أجنحة، تساعد الإنسان على التحليق عالياً، والارتقاء إلى مستويات من الشعور الإنساني، بنظام يفرض نفسه علينا بعذوبة.

هي عمل جماعي يخلق مشاعر مشتركة، وتأثيراً لا يُستهان به في تركيبة شخصية مبنية على التعاون والمساهمة الفعّالة، فيتشكّل لدينا مجتمع يحمل أفكاراً سامية، ويدرك أهمية العمل الجماعي، ويحترم آراء ووجهات نظر الآخرين، أي أنها تنشئ مواطن المستقبل الفعّال والمثقَّف.

فكم نفتقر، في هذا الزمن، إلى لمسات الإنسان المبدع، القادر بأنامله السحرية على التسلل إلى أعماق أعماقنا لإخراج سواد الحزن والألم من باطنها، فيتناول مواضيع ملونة عن الطفولة، والحبّ، ونسائم الروح، ووجود الذات وعلاقتها مع الآخر، وطيب العيش الهانئ، والحرية، والعدالة وغيرها.

لقد شكّلت الفنون التي أبدعها الإنسان عبر تاريخه الطويل، خير تعبير عن كوامن نفسه، وتوازنها، عبر ثنائيّة المادة والروح، فلا تطغى إحداهما على الأخرى، إلا بحسب الاحتياجات.

أما وقد فاضت المادة لتحاصر المرء وتهدد وجوده وخلوده، فقد جدد دعوة الخلاص بالفنون، واتّساع فسحة الروح، لأنها خير تعبير عن نزوعه الفطري إلى التماهي مع حركة الحياة.

فالفنّ أصبح معنيّاً للنهوض من الكبوات، ومُلهماً لإحياء مكامن القوة والجمال، ولكلّ وجه من أوجهه جماليته التي يدور في فلكها - ناهيك عن أنه أصبح معرفة وعلماً قائماً بذاته - غايته ازدهار الحياة بكائناتها، ونكاد نقول: إن الإنسان بدونها، أشبه بإنسان يفتقر إلى البصر واللمس والسمع.. إنها ليست للتذوّق فقط، بل هي علم يحوي في طيّاته علوماً كثيرة.

في عام 1982، واعترافاً بدورها في المجتمع، حُدِّد يوم الحادي والعشرين من يونيو عيداً سنوياً لها، تخرج فيه من المسارح ودُور الأوبرا، لتصبح في متناول جميع أفراد المجتمع رغبةً في إفساح المجال أمامهم للاستمتاع بها مجاناً، ولاكتشاف أنواعها واختلافاتها، إضافة إلى أن ذلك يشكّل فرصة للفنانين الهواة لعرض مواهبهم أمام الجمهور.

كما تأتي الاحتفالات العالمية كمحاولة للفتِ الانتباه إلى حَمَلة لوائها، جنود الثقافة الذين اختاروا طريقاً شائكاً في كثير من الأوقات، كونهم مطالبين ليس فقط بتقديم الجيّد منها، وإنما أيضاً بتوعية المحيط الذي لا يزال فتيّاً في معرفته بهذا الفن.. فهل عرفتم مَن هي؟
#بلا_حدود