السبت - 10 أبريل 2021
السبت - 10 أبريل 2021
No Image Info

المواطَنة في زمن العولمة.. وإعادة تشكيل المُسلَّمات

د. إسلام أبوخيط متخصص في الدراسات المستقبلية - الأردن

ما لا شك فيه أن العولمة دخلت سياق حياتنا بكافة أبعادها، وأحدثت تغيرات جوهرية في طبيعة تجاربنا اليومية، وتحولات عميقة في مجتمعاتنا، وتغيرات جذرية في دولنا، وآثارها أصبحت مؤشرات يمكن قياسها لمعرفة تغير العديد من المسلمات والمفاهيم والتصورات التي بنيت عليها نظرتنا للحياة والأشياء.

وأول آثار العولمة ظهر على مفهوم المواطنة، ويتمثل في التحول الذي أحدثته في مفاهيم ومسلّمات الانتخابات والناخب، حيث أسهمت في تحويل مفهوم جمهور الناخبين إلى جمهور جماعات ضغط ليست معنية بالوصول إلى السلطة، بمقدار اهتمامها بالوصول إلى تكييف مجمل النشاطات لتحقيق مصالحها.


الأمر الذي قاد إلى تحويل جمهور الناخبين إلى 4 تصنيفات:

ـ الأول: الناخبون الدوليون، أي المرتبطون بالشركات متعددة الجنسيات وما شاكلها.

ـ الثاني: الجهويون، أي المرتبطون بالإنتاج على مستوى أقاليم جغرافية كاملة، مثل أوروبا والشرق الأوسط، وجنوب شرق آسيا.

الثالث: القوميون، أي الذين ينحصر اهتمامهم ونشاطهم في مستوى الدولة التقليدية.

الرابع: المليون، المرتبطون بأضيق حلقات الإنتاج.

ومن هذا المنطلق يظهر أثر العولمة في مفهوم المواطنة، فقد أدَّت العولمة إلى ظهور نمطين من المواطنة، أو الانتماء السياسي، الأول: انتماء معنوي ناتج عن المكان، أي التواجد في مكان؛ وما يوجده من ارتباطات لغوية وعاطفية ودينية، والثاني: انتماء مادي مرتبط بشبكة التفاعلات التجارية والاقتصادية والسياسية والتنظيمية، كالمنظمات الدولية غير الحكومية مثل: جماعات أنصار البيئة وغيرهم.

الملاحظ أنه كلما حدث تحول في شبكة العلاقات المعنوية والمادية من قبل جزء من أجزاء الكيان مع بقية الأجزاء، شكل ذلك تذبذباً في حدود الكيان؛ وقد يتصاعد ليصبح ذلك الجزء أكثر انتماء إلى بنية التفاعلات الجديدة، من انتمائه إلى بيئة التفاعلات التقليدية القديمة.

و يرى «أولريش بك» أن العولمة جعلت حياة المرء «المواطن» الخاصة غير ثابتة، أو غير مرتبطة بالمكان «الوطن»، بل حياة تنقل واقعيّاً ومجازيّاً في آنٍ واحد، فهي شبيهة بحياة البدو الرحل؛ لأنها تُقْضَى بالسيارات أو القطارات أو الطائرات، أو على الهاتف، أو على شبكة المعلومات الدولية (الإنترنت)، أو مع أجهزة الإعلام (التلفاز). إذن، فهي حياة انتقالية تمتد عبر الآفاق، أو الفضاء السيبراني الذي هو على حد تعبير عابد الجابري: « وطن جديد بحق، لا ينتمي إلى الجغرافيا ولا التاريخ، فهو وطن بلا ذاكرة، أو تاريخ، أو حدود؛ وطن تنتجه شبكات الاتصال المعلوماتية الإلكترونية».

ومفتاح دخول هذا الوطن والتنقل بين داخله وخارجه لم يعد هو جواز السفر، الذي تصدره الدولة /الوطن، وإنما هو الرقم السري password الذي تمْنَحه الشبكة.

والمواطن في هذا الوطن «السيبراني» لا يتحدد بالانتماء إلى وطن، فالعولمة لا تعترف بالوطن، ولن تتحدد بالمساهمة في تدبير شؤون الوطن، وإنما في الحق في الاتصال، فأن تكون مواطناً يعني أن تكون متصلاً بالخط أو الشبكة.

ومن هنا برزت التسميات أو الأوصاف الجديدة للمواطن، فهو «نيتويان» أو «نيتنيزم» نسبة إلى «نت» ومن «إنترنت».

وفي الإطار ذاته، لكن في سياق آخر، يرى البعض: «أن العولمة تعني ظهور هوية عالمية تقود إلى حمل العديد من الناس على التفكير والتصرف كمواطن عالمي» (Citizen of the world) أي حرفياً باعتبار «كوزموبوليتانيا» بمعنى مواطن عالمي.

ويضيف معجم أوكسفورد إلى تعريفها معنى «التحرر من القيود وصور الانحياز للوطنية»، وهذا بالطبع يزعزع مفهوم المواطنة التقليدي، ويخلق مجالات الانتماء والهوية، خارج حدود الوطن والدولة.

وفي مقابل هذه المواطنة الكوزموبوليتانيَّة التي أوجدتها العولمة، فإنها أدَّت إلى ظهور هويات قبليّة وعرقيَّة واثنيَّة ما دون الهوية الوطنية أو القومية، قادت إلى زعزعة مفهوم المواطنة أيضاً، بحيث غدا العديد من البشر يعرفون ذواتهم على أساسها.
#بلا_حدود