السبت - 10 أبريل 2021
السبت - 10 أبريل 2021
No Image Info

«نظرية الكباب».. والسيد «عبيد»

فريد لفتة كابتن طيار - العراق

اقترحت على السيد «عبيد» الذهاب معاً لتناول لعشاء، فاستحسن الفكرة، وبعد تفكير وجدال حول وجهة الذهاب، رسا القرار على مطعمٍ للكباب، وعند وصولنا إلى مقصدنا واستقرارنا فيه دار الحوار الآتي بيننا، بدأه السيد عبيد بالقول:

ــ غريبٌ أمرك يا فريد!


سألته: لماذا ياعبيد؟

قال: إن كنت عازماً على أن نأتي هنا، فلِم نضيع وقتاً في جدال شكليّ عبثيّ حول (أين نذهب)، وفي داخلك أنت قضيت سلفاً باختيار هذا المطعم؟

قلت: لا أخفيك يا عبيد بأني لا أحس بالسعادة إلا هنا، ثم سترى أن اختياري سيرضيك.

قال: يبدو أننا نحن (البشر) لا نرغب إلا بما يتوافق مع ما اعتدنا عليه، وكأن لسان حالنا يقول: «كل مجموعةٍ بكبابها فرحون»!

قلت: لا تبالغ يا عبيد، ففي النهاية ستشكرني على حسن اختياري.

قال: من ملاحظاتي التي جمعتها من مراقبة سلوكيات البشر أستطيع تلخيص أنواعهم في ست مجموعات: (مبتكر كباب، صانع كباب، بائع كباب، مزور الكباب، آكِل كباب، متذوق كباب).

سألته: وما الفرق بينهم؟

قال: الأول (مبتكر الكباب) هو مفكر ومخترع ومجرب، ولديه حرية وإرادة وعقل وعزيمة، وشجاعة على اكتشاف وسبر المجهول، بل وتحمل نتائج مغامراته، وهو بدوره له صنفان، صنف يبدع لأجل الناس، والآخر يأفِك لخدمة نفسه.

والثاني (صانع الكباب)، ينسخ وصفة المبتكر دون الحياد عنها قيد أنملة، لأنه لا يمتلك شجاعة التغيير، أو أنه يرى ذلك مضراً بمصلحته.

والثالث (بائع الكباب) هو من لا يطيق صبراً، ولا يملك مهارةً، فيأخذها جاهزة ليبيعها للناس كما هي.

والرابع (مزوّر الكباب) هو من يبيع الوهم، ويغوي الناس بزخرف القول، وخفة اليد.

والخامس (آكِل الكباب) هو من يزدرد دون أن يعي، أو يحس أو يتذوق، أو يفهم ما يعب في جوفه.

والسادس (متذوق الكباب) هو من لديه القدرة على تمييز النكهات، واكتشاف الجيد دون الرديء منها، وعنده رهافة وحسن ذوق، فلا يأخذ إلا ما وافق ميله، وأشبع حواسه وأرضى عقله.

سألته: ومن أسوأهم؟، ولماذا؟

قال: (آكل الكباب)، لأنه لا يمتلك مهارة الصانع، ولا عقل المبتكر، ولا حس المتذوق، ولا دهاء المزور، ولا شطارة البائع، وبعد كل ذلك منحاز ومتطرف لما بين يديه حد قتل أو إقصاء، أو تعنيف من يأكل غير كباب، والطريف أنه يقوم بذلك طواعيةً وخدمةً لا يحصل عليها لا جزاءً ولا شكوراً من (مبتكر و صانع ومزور وبائع الكباب)، بل إنهم لا يعرفونه البتَّة، ولا يأبهون به.

قلت: وما أكثرهم يا سيد عبيد؟

قال: بل ما أخطرهم، وأشرههم، وأضلهم سبيلاً؟

قلت: وما الحل؟

قال: أن يفهم المستهلك (آكل الكباب) بأن (المبتكر، الصانع، البائع) أناس مثله، وأنه عليه أن يشك ويجرب ويطمح ويسعى، عندها يكون أكثر هدوءاً وسعادةً ورضى!

قلت: ولماذا يصير راضياً وسعيداً حينها؟

قال: لعدة أسباب، أهمها: أنه لن يكون عبداً ومطيةً لهؤلاء الثلاثة (المبتكر، الصانع، البائع)، وستكون لديه حرية الاختيار والتغيير إن شاء، وسيمتلك القدرة على اكتشاف (المزور) وتجنّبه، وسيعرف أن الدنيا فيها أنواع كثيرة من الكباب، وأنه لا ضير في اختلاف أنواعها.

قلت: لو رضوا بذلك ما كنا وصلنا اليوم إلى حالنا هذه، من تحيز وتطرف، حتى غدت كل فرقة بكبابها، بل واقتتالها وكرهها لمن خالف ذوقها واختار غير ما أكلت.

قال: يبقى لدي أمل بأنهم سيتجرؤون يوماً على تذوق كباب مختلف.

قلت: ليت ذلك يكون قريباً.

قال: لنأكل ما اقترحت من كباب، وأتمنى أن تجرب ما أقترحه عليك غداً، بل وسنجرب أنا وأنت كل يوم نوعاً جديداً، وإن نفدت كل الأصناف، سننشد حينها أنواعاً جديدة غيرها من أرز ومرق وفواكه، وسترى عندها أن الحياة مليئة بتنوع عظيم يغني الجسم ويبهج الحواس.
#بلا_حدود