الخميس - 17 يونيو 2021
الخميس - 17 يونيو 2021
No Image Info

حروب المياه.. والمبادئ العالميَّة

مصطفى عبد الرحمن أبوعبده باحث في العلوم السياسية ــــ مصر

تحدث كثير من الباحثين عن كون العقد الجديد يمثل عقد الصراع حول الموارد الطبيعية، خاصة أن العالم سوف يشهد نقصاً شديداً فيها نتيجة الاستخدام السيئ والزيادة السكانية المطردة، وقالوا بأن العالم سيشهد جغرافيا جديدة للصراع تنطلق من التنافس على الموارد الحيوية، التي تؤسس لنوعية الصراعات الدولية واستخدامات القوة العسكرية.

ويتبادر إلى الذهن للوهلة الأولى أن تلك الموارد تتمثل في البترول، الذي يمثل 40% من طاقة العالم, والفحم الذي يمثل 26% من الطاقة والغاز الطبيعي الذي يمثل 24% من الطاقة في العالم، لكن الباحث مايكل كلير في أحد كتبه أبرز صورة أخرى أكثر شمولية، وقال: أنه بالفعل أن النفط على رأس أولويات اهتمامات الدول لكن هناك صور أخرى لا تقل أهمية ومنها المياه واليورانيوم والذهب وغيرها.


وقد أشار الباحثون إلى وجود بؤر دوليَّة مرشحة لحروب المياه، ومنها في المنطقة العربية حوض الأردن ونهري دجلة والفرات ونهر النيل وغيرها في العالم، لكن الملاحظ في الحالات العربية أن استخدام التعطيش بات يستخدم كأحد أوراق الضغط في العلاقات الدولية، إلا أن حالة نهر النيل وهو نهر دولي مشترك تحكمه المبادئ والقوانين الدولية التي تنظم العلاقات بين الدول المتشاطئة في حوض النهر الدولي، تثير الكثير من التساؤلات.

يأتي في مقدمتها مكانة المبادئ الدولية التي نظّمتها الأمم من أجل تجنيب الشعوب ويلات الحروب والنزاعات التي تجلب الدمار، ولأجل تعزيز مكانة التعاون والعيش المشترك، ومن بينها المعاهدات المتعلقة بتنظيم استخدامات مياه الأنهار الدولية واتفاقيات حماية البيئة ومكافحة التصحر والجفاف وغيرها.

وهذه المواثيق رغم كونها ترتب التزامات قانونية فهي أيضاً تمثل قيماً أخلاقية وإنسانية تُعلِّي من قيمة الإنسان الذي جعله الله خليفه في أرضه ليعمرها، ولا يهلك الحرث والنسل، ولا يفسد مبادئ أرساها الإسلام منذ القدم وأصبحت مبادئ عالمية إنسانية أخذت منها بعض الحقوق الطبيعية، ومنها الحق في الحياة والعيش الكريم والبيئة النظيفة والمياه وغيرها.

وتنظيم استخدام النهر المشترك ينطلق من كونه مصدر مياه طبيعي يجري بأمر الله، وليس من صنع البشر وأصبحت هناك حقوق ليس للشعوب التي تعتمد عليه فقط، بل للأرض التي يجري فيها والنبات والحيوان والطير فارتبط بحقوق الإنسان وحقوق البيئة.

لا يمكن بأيّ حالٍ من الأحوال التّمسك بنظرية السيادة الإقليمية في هذا الأمر، وإلا رأينا نظريات للسيادة الإقليمية على الهواء والسحاب والأمطار وغيرها، فشروع دولة بالتمسك بها دون الأخذ في الاعتبار الحفاظ على الاستقرار العالمي، وتحقيق المصالح الفردية وقوفاً على جماجم البشر وجيف الحيوانات النافقة وجذور الأشجار التي ماتت عطشاً، لا يمثل انتهاكا للقانون الدولي فقط بل لمبادئ حماية البيئة وللقانون الدولي الإنساني وإخلالاً بحق البشرية في العيش المشترك.

كما أنه أيضاً تهديد للسلام العالمي، الذي يمثل مجال اهتمام مجلس الأمن الدولي، والذي من حقه إحالة القضية إلى محكمة العدل الدولية للفصل فيها، وهذا الحق إنما يستخدمه المجلس إجباراً للدول التي لا تقبل بنظام المحكمة أو ليست طرفاً فيها، ولا ترغب بإحالة القضية إليها، وهى الخطوة الأخيرة لمصر والسودان قبل أن تقوم إثيوبيا بالملء الثاني لخزان السد.

إن نهر النيل يمثل صورة العيش المشترك، وفى الوقت نفسه يمثل للشعب المصري والسوداني مصدر حياة، بمعنى أنه في مقدمة المصالح القومية العليا، التي لا يمكن التنازل عنها بأي حال من الأحوال، وأن الدولتين تحرصان على عدم إثارة العداوة مع الشعب الآخر بل تحترم المبادئ الدولية ولا ترغبان بغير حقهما، الذي لن تفرطا فيه.
#بلا_حدود