الجمعة - 18 يونيو 2021
الجمعة - 18 يونيو 2021
No Image Info

العوالم الأربعة والعرب.. الانتماء وإشكاليّة الحضور

محمد سعدي كاتب ومحامٍ ـ الجزائر

إذا حّق لنا أن نُقسم العالم حسب منجزه الحضاري خلال العقود الأربعة الماضية، وموقع الأمم والشعوب في صيرورة الحياة بمجالاتها المختلفة، فيمكن القول إنه ينقسم إلى أربعة عوالم، هي: متقدم، ونامٍ، ومتخلف، ومتجمد.

فالعالم المتقدم هو من تملّك وسائل العمل ـ فكرياً ومادياً ـ في جميع المجالات، وبها حقّق حياة كريمة حسب تصوراته الفكرية والفلسفية، ويعمل على تجديدها وتطويرها بما يتماشى مع الظرفية المجتمعية، ويتحكم في نواميس الحياة الدنيا بكل أبعادها وفروعها ومتطلباتها على ضوء دراسات استراتيجية وبحوث متخصصة في إطار الاستشراف ومسنودة بالقرار السياسي والأموال المطلوبة بكل سخاء، وهذا العالم هو المتحكم اليوم في حركة العلاقات الدولية من حيث التواجد والهيكلة والتوازنات الكبرى.. إلخ


وهناك العالم النامي، الذي بدأ منذ فترة قريبة في الولوج إلى ساحة تملك وسائل العمل الذاتية فكرياً ومادياً، بالاعتماد على محاولة تقفي آثار العالم المتقدم، والعمل جاهداً على إيجاد مساحات موازية للعالم المتقدم ولو جزئياً، لكن طريقه محفوف بالمخاطر، وفيه الكثير من العوائق بسبب سيطرة وتحكم العالم المتقدم على مفاتيح ووسائل التقدم العلمي، لكن رغم ذلك، تمكن بعض دول العالم النامي إلى حدٍّ ما من التفاعل مع واقعه، واختراق مساحات من العالم المتقدم، والدخول إلى أسواقه بكل أنواعها، مما سمح بإنماء محيطه ككل وتحسين ظروف حياة مواطنيه، والآن هو في الطريق الصحيح للالتحاق بركب العالم المتقدم ولو بأقل درجة من القوة والتمكن.

وهناك العالم المتخلف، وهو العالم التائه في دوامة البحث عن الذات، ومحاولة التمرد فكريّاً وفلسفيّاً بين العالمين المتقدم والنامي، ولا شخصية ثابته لديه، ويدور في حلقة مفرغة، ويعيش تحت ظلال الاستغلال الخارجي، وهو منزوع الإرادة السياسية، تتجاذبُه التيارات وتنخر جسمه الإثنيات بكل أنواعها وتفرعاتها، وهو منفصم الشخصية، كما أنه مجرد رقم مجهول بين الأمم، يستغل من حين لآخر في لعبة الأمم الكبرى، ثم يتم التخلي عنه وتركه لمصيره المجهول.

وأخيراُ هناك العالم الجامد أو المتحجر، وهو العالم الذي وقف به الزمن منذ عقود، وبقي يعيش على الماضي ويجتره بدعوى المحافظة على الموروث، والتغني بأمجاد الماضي، لذلك خرج من دوائر الصيرورة التاريخية نهائيّاً، ولم يعد له سبب في الوجود أصلا، لأنه أصبح خارج نواميس الطبيعة والحياة بشكل عام، رغم أن له كثيراً من المخزون التاريخي المتراكم، ومن المحفِّزات التي تمكنه من وَثْبَةٍ حضاريَّة عملاقة، ولكن تنقصه الإرادة الذاتية الفردية والجماعية.

هذا العالم المتجمد ينسى أن بطولات اليوم تختلف اختلافا جوهريّاً فكريّاً وماديّاً عن بطولات الموروث، ومهما كان هذا الموروث ناصعاً في وقته لأسباب كانت وقتها موضوعية، لكنها الآن دخلت في ركام التاريخ، وأن سجن الحاضر في سجن الماضي هو جمود وتحجر بكل المعايير.

المطلوب إذن، هو تكسير العالم المتجمد والمتحجر أوّلاً، ثم البدء بعملية التركيب البنائي من جديد في سعي هادف لتخطى العقبات الفكرية بكل أنواعها، والتخلص من الجمود بثورة عارمة داخل شعوبه، والعمل من أجل نيل الوسائل الحديثة المتعامل بها اليوم، ولا حل للخروج من هذه الوضعية إلا بواسطة نخبة ناقدة، لها من الوعي والقبول ما يسمح لها بتحريك السواكن.

يبقى السؤال، الذي بمثابة إشكاليّة: نحن العرب إلى أي عالم من العوالم السابقة ننتمي؟

أرى أننا خليط بين عالم التخلف وعالم الجمود، ومزارع لتجارب كل العوالم الأخرى، ومشروعنا الحضاري لا يزال في الطور«الجنين الأربعيني»، ولا نعرف هل سيولد فعلاً إذا كتب له ذلك؟، وإذا ولد فعلا فأي المواصفات الحضارية سيحمل؟، وإلى أين سينتهي؟
#بلا_حدود