الجمعة - 30 يوليو 2021
الجمعة - 30 يوليو 2021
No Image Info

رجفة طبيبة

أبدأ يومي بحماس، عيادة مُزدحمة، 25 موعداً مُحتملاً، تبدأ روتينية، في الفاصل بين مريضةٍ وأخرى، تنصحني الممرضة، ألم تجدي عيادة أخرى غير هذه البائسة لِتكوني شاهد عيّان، وكاتباً لِكل هذه المآسي؟ أبتسم، لكن هذه المآسي هي التي جعلتنا نختار الطب في البداية، نحن ندرس لب المآسي لنبحث لها عن خلاص..

تدخل المريضة، بصحبة ابنتها، تمشي مترددة تسأل عن نتائج التحليل.

يردد الطبيب: «Endometrial cancer».

أنا ـ وأنا المترجمة في هذه الجلسة ـ أجلس بصمت، فكلمة cancer لا تحتاج إلى توضيحٍ أو ترجمة.. أشهد فجيعتهما، رجفة يد البنت، تجمع الدموع في عين المريضة الأم، وصمتٌ مريب لِثلاث دقائق.. أشجعهما على الحديث، ذلك لأن الصمت يربكني، كما أني أكره الصمت في حضرة كثير من الصامتين.

تسأل البنت بتردد: خبيث؟!

ثم تنظر في عينيّ، فيرجف داخلي، أنظر إلى الطبيب بحثاً عن مخرج، يفهم السؤال من غير توضيح، يردد malignant.

أصمت لِلحظات، أتردّد، أرجف، «خبيث.. بس»، من غير بس، كلمة خبيث أرجفتهما.. البنت تشدُّ يد والدتها، تحاول طمأنة نفسها، أستعين بالممرضة الخبيرة في نقل الأخبار السيئة، لتمسك زمام الاطمئنان، أنا لست فتاة المرحلة، نُناقش الخطة العلاجية، تتصبّر الأم مرددة الحمد لله بيقين، تنهار على بعد فحصٍ إكلينيكي دامعة، تتماسك، تنهار ابنتها بحثاً عن التماسك، أطمئنها بنظرة باسمة، ترد الابتسامة، تقوى، تقف ممسكة يديها، تنهار على بعد حضن كان يجب أن تُصبّر والدتها به، ثم تخرجان، وأنا أردد: «الله يعافيها، ويتمم شفاءها، ما تشوفون شر إن شاء الله»، ثم أتساءل: هل السرطان هو كل الشر؟ لماذا سُمي سرطاناً؟ ألأنه يسرطن الروح خوفاً ويرجفها قلقاً، قبل أن يغزو الجسد فيُصبح إنهاكه أسهل؟

الخبيث يطبّق سياسة فرق تسد، يفرّق الروح لوعة، ويربك النفس خشية، ويستفرد بالجسد.. أنهاهُ الله، كم أثقل قلوب العباد بالمآسي.
#بلا_حدود