الثلاثاء - 27 يوليو 2021
الثلاثاء - 27 يوليو 2021
No Image Info

السيرة الذاتيَّة.. وصِناعة الكلام

لِكِتَابة السِّير الذاتيَّة نمطان؛ أحدهما أن يكتب الشخص سيرته الذاتية عن نفسه، مثل ما حدث في كتاب «الأيام» لطه حسين، أو يكتبها الشخص عن غيره، كما حدث في كثير من كتابات عباس محمود العقاد في «عبقريَّاته» عن عمر بن الخطاب، وخالد بن الوليد وغيرهما.

في هذا السياق؛ لقد قرأتُ ما كتبه العقاد عن زعيم الأمة «سعد زغلول»، وقد جاء موافقاً لنمطه المعتاد من تناول الأحداث التاريخية والسياسية والنفسية، حيث كان من أشد المعجبين بشخصية سعد زغلول، وقد أثنى عليه كثيراً، وعلى شجاعته كزعيم سياسي وشعبي، ثم طالعت بعض ما كتبه مصطفى أمين عن سعد زغلول؛ فكان نهج الإعجاب نفسه، فجعل منه فيلسوفاً ومؤرخاً وقاضياً.

ومن العجيب أن مذكرات سعد زغلول نفسه، والتي نشرها المؤرخ عبدالعظيم رمضان، كانت صادمة، فعبارات سعد زغلول فيها بسيطة للغاية، و لم تخل من أخطاء في التركيب والإملاء، ومن الملحوظ أن المؤرخ كان حريصاً على أن يتركها كما هي دون تغيير أو تجميل، وقد جاءت مذكرات سعد زغلول أقرب ما تكون إلى اليوميات، منها إلى المذكرات بالمعنى الذي اعتاده كبار الشخصيات المؤثرة في التاريخ.

والمتأمل لتلك المذكرات سيلحظ أنها تداعيات نفسية يتخفف بها الكاتب من توتره النفسي، وكأنها تسجيل لحوار داخلي بينه وبين نفسه، متحررة من قيود الزعامة السياسية والشعبية، وقد انسحب هذا التحرر إلى اللغة نفسها، فتبرأت من النحو والصرف والإملاء.

ولا تعجب إذا كانت المذكرات التي كتبها سعد زغلول هي الأقرب إلى النفس، والأكثر إمتاعاً للقارئ، حيث كانت صادقة المشاعر، تخرج من القلب لتستقر في القلب بعيداً عن حفاوة اللغة وصناعة الكلام.
#بلا_حدود