الثلاثاء - 28 سبتمبر 2021
الثلاثاء - 28 سبتمبر 2021
No Image Info

التفاوت الحضاري بين الشعوب.. وفرصة النهوض

بحسب المنطق العقلاني، فإن قيمة الأمم والمجتمعات تستند بشكل كبير إلى مقدار التحضّر الذي بلغته، والذي بفضله ارتقت هذه الأمم، واعتلت الريادة في شتى الميادين، ففي الوقت الذي تستعر فيه الحروب في معظم دولنا، يَسْطع التقدّم في أنحاء العالم الأخرى بازدهار العلوم والتكنولوجيا، الصحة والتعليم، ومجالات الفن والرياضة وغيرها من نواحي الحياة العديدة.

بينما لم يبق لنا، سوى البكاء على حضاراتنا القديمة والعويل على تاريخنا الذي غرفت من معارفه سائر الشعوب إلا شعوبنا.. أين نحن من حضارات بلاد ما بين النهرين، وادي النيل، شبه الجزيرة العربية وبلاد الشام وغيرها من الحضارات، التي أثرت البشريّة على جميع الأصعدة؟ وما الذي يجعل من مجتمعات تتحضّر وتصون تحضّرها دون مجتمعات أخرى؟ ولماذا هنالك هذا التفاوت الحضاري بين الشعوب؟ وما هو هذا التحضّر ليشكل فارق الامتياز بين الأمم؟ إن التحضر لا يشير فقط إلى الهجرة السكانيّة من الريف إلى المدينة واكتساب عادات وأنماط المعيشة الحضريّة، بل بتعريف أعمق هو سلوك المجتمعات الخيّرة، التي قادها النضوج الفكري نحو التغلب على الرغبات الذاتيّة والانتماءات الثانويّة، فنالت الاقتدار على التحكم بمصيرها والتخطيط للأهداف عبر خيارات عقلانية غير خاضعة للقشور الفكريّة، وهذا العمق الفكري وفّر المقوّمات الأساسيّة للتحضّر الحقيقي ورُقي الفكر المجتمعي.

فالشعوب التي اختارت أن تتقدّم، هي شعوب ساعية ومجتهدة، أخذت العبرة من تجاربها، واتعظت من تجارب الآخرين، ووضعت مقوّمات التحضّر على رأس أولوياتها، فكان الأساس هو تحقيق السلام بمعنى عدم الاحتراب داخلياً كان أم خارجيّاً، أما الشعوب التي انساقت خلف حكومات دمويّة، فقد كان مصيرها التراجع والتخلف واتساع رقعة الجهل، ناهيك عن انهيار تدريجي لمنظومات الحياة كافة.

ما لا شك فيه، أن نقاوة الحضارات وديمومتها يعتمد على مقدار نأيها عن سفك الدماء، وتلطيخ تاريخها بوصمات تحط من مساعيها الخيّرة، وتمحو المسيرة التقدّميّة التي دفعت الشعوبُ عجلتها بعصارة الفكر وعرق الجبين، ولنا في التاريخ أمثلة عديدة، فكم من حضارة انتهجت العنف، فكان السبب في سقوطها ولو بعد حين؟! ولطالما قامت حضارة على أطلال حضارة أخرى، فالعبرة تكمن دائماً في الاستمراريّة وقدرة المحافظة على نقاوة الحضارة.

إضافة لذلك، نجد أن الدول التي سَلَمَت على تحضّرها، هي الدول التي قضت على الفوارق الفئويّة بين أبناء شعبها، فالجنس، العرق والدين، تفصيلات للهويّة الفرديّة لا شأن للآخرين بها، كون الإنسانيّة تأتي فوق كل شيء والحق في الحياة هو استحقاق لكل إنسان على وجه البسيطة، وهذا ما عزّزته الدساتير والقوانين التي جاءت لترسّخ المفهوم التحضّري عند المجتمع والسلطة التي تمثله لتوفّر الحماية والضمان لحقوق الإنسان.

بالعودة إلى عالمنا العربي، فعلى الرغم من وجود بعض النماذج التي تستحق الإشادة لما بذلته في سبيل الارتقاء بالفكر الجمعي، سلطة وشعباً، حيث لا تزال دول كثيرة بحكوماتها ومجتمعاتها، تستظل بانتماءات العرق والدين ولا تزال تشرب من كأس المذهبيّة، وتُطرَب على لحن القوميّة والعشائريّة، ببركة الدساتير والقوانين التي شُرّعت لصيانة الفوارق وحماية الأغلبيّة، هذه التسميّة التي يجب أن تُشطب من قاموس البشريّة.

لم يفت الأوان لتدارك مآلاتنا، ففرصة النهوض من الواقع المتأخر ونفض غبار الأفكار الهدّامة لا تزال سانحة، وما على الشعوب العربيّة سوى الانكباب على تنشئة الأجيال القادمة، بالتركيز على الجوانب التربويّة والإنسانيّة، وتثقيف العائلات، ومراقبة خطابات المنابر الدينيّة، وتنميّة الروح الوطنيّة التي تعمل من أجل أهداف عامّة، بغية بناء حضارة الإنسان، الذي يُمثل الخطوة الأهم في طريق الوصول إلى حضارة العمران وغيرها من جوانب الحضارة الأخرى.
#بلا_حدود