السبت - 04 أبريل 2020
السبت - 04 أبريل 2020
PSX_20200226_162014 جريمة خرسا
PSX_20200226_162014 جريمة خرسا

جريمة خرساء

بقلم: د. فضيلة ملهاق روائية وشاعرة ـ الجزائر

كل شيء تغيَّر بمكالمة تلقيتها من وكالة للتوظيف الشبيه، وهو نظام مهني يقوم على تشغيل خريجي الجامعات لفترة تجريبية، مقابل أجر تقاعدي بسيط.

التحقت بالعمل في مؤسسة إدارية عمومية هامة، وانكسر أخيراً الصّنم الذي ظلّ يجثم على مزاجي لما يزيد عن 3 سنوات، وقرّرت أن أحافظ على فرصتي من أي شيء من شأنه أن يحبط عزيمتي، لذلك لم يعجبني ما قاله أحدهم لمحدثه بلسان متثاقل:


- لحسن الحظ أن الحافلة لم تتأخر اليوم، انتظرتها البارحة أكثر من ساعة.

علّق محدثه بنبرة لا تقل تثاقلاً عن نبرته:

- لا فرق، إن تأخرت أو تقدّمت، نفس الوضع، نفس الأوجه! نفس العمل... لا حدَث! عدا أن تستهلكنا عقارب الساعة رويداً، من دون أن نشعر، الروتين هو سلاح الرداءة في حربها ضد الكفاءة، يُحوّل الموظف مجرماً شرعياً، يتفنن في اغتيال الوقت، هو العادة غير السرية التي يمارسها أغلبنا بلا استهجان.

لم يتلاءم حديثهما مع مزاجي، كنت في ذروة الحماس، لم يمضِ الشهر الأول حتى أصبح المدير، المعروف بشدته وجلف تعامله، يشيد بجدارتي ويمتدح جديتي، وطلب مني أن أستلم ملفات من السيد «س»، فهرعت إليه بحماس الفاتحين، بينما استقبلني هو بنظرات منكسرة، تتناقض مع حفاوة عباراته.

كان «س» في نهاية العقد الرابع من العمر، يحمل شهادة جامعية في نفس مجال تخصصي، ويشغل منصب نائب المدير، أما المدير فلم يكن مستواه التعليمي يتعدى الطور الإعدادي، لكنه يحتكم على أقدمية تؤهله للاطلاع على خبايا تسيير تلك المديرية، وتكوين عصبته من المساندين له.

لم يكن نشاط «س» يزيد عن قراءة الجرائد، واحتساء الشاي، بل لم يكن يتسنى له حتى التنقل بين المكاتب، بسبب نفور زملائه منه، كان مكتبي، باستثناء الحمّام، وجهته الوحيدة، ولم يعد يقصدها بعد أن سلّمني آخر الملفات التي كانت بحوزته.

أصبح بعدها يلقي التحية من عند عتبة الباب وكأنه يغمغم أدخنة حارقة، ثم يرمقني بنظرات غامضة، ويتراجع من دون أن ينتظر الرّد، وفهمت لاحقاً أنهم كانوا يناصبونه العداء محاباة للمدير، الذي كان يعتبره خصماً لدوداً.

استكملت ترتيب الوثائق، وجمع المعلومات الناقصة في وقت قصير، وزادت ثقة المدير بي، وأوكل إليّ المزيد من المهام، ووعد بإدراجي في منصب عمل، لكن مدة العقد استوفيت ولم يفعل، ولم يبقَ لي سوى أن أودع المكان والعباد، فالبقاء ليوم آخر كان سيتجدّد به شبه العقد ذلك ضمنياً لعام آخر، ويجعلني أدير شؤون مؤسسة بذلك الحجم والأهمية بلا حقوق، وبمقابل زهيد.

فضلت أن أبتعد وأنتظر الفرج، عُدت مرة أخرى إلى البطالة، ولكن بمزاج مختلف، اعتبرت ذلك التوقف عن العمل فترة استراحة، وطال انتظاري عن المتوقع، ولكن إيماني بصدق وعد المدير لم يضعف، كنتُ لقلة خبرتي بالناس أظن إشادته بكفاءتي أفضل ضمان، إلى حين أن همس لي أحد المستخدمين بما خفي عليّ:

- ذلك المنصب محجوز لقريب (...) سيلتحق به بعد أشهر، مجرّد أن يحصل على الشهادة.

صعقتني الصدمة، وأكثر ما حزّ في نفسي هو أن أكتشف أنني قتلته في صمت، وعن غفلة، بلا شواهد ولا شهود.. طلب ذلك المدير تدعيم المديرية بمتدرب في مجال تخصص «س»، لا يملك الخبرة ليقرر، ويملك ما يكفي من المؤهلات لينفذ عليه حكم الموت الإداري البطيء.. وسيلة غير مكلفة، وآمِنة، لإزالة العوائق.. إذواء طموحات الموظف أو العامل، واستفراغ رغبته في المنافسة والعطاء، هي أشنع وسائل البطش به.. إنه القتل الأخرس، الاهتلاك في الفراغ.

للنشر والمساهمة في قسم الساحة: alsaha@alroeya.com
#بلا_حدود