الاثنين - 30 مارس 2020
الاثنين - 30 مارس 2020
PSX_20200317_164506 قريب من الحب
PSX_20200317_164506 قريب من الحب

قريب من الحب.. أنا جبران

بقلم: د. معراج أحمد الندوي أستاذ بجامعة عالية كولكاتا ـ الهند

الحب من أسمى المشاعر الإنسانية، يأسر القلب والروح والحواس والعقل، وينتج الود والألفة والمودة والمحبة.. إنه إحساس يمنح القوة والإرادة وحب الحياة، وهو المحرك الأساسي للحياة والدافع لاستمرارها، وذاك الانجذاب والإعجاب الذي يحدث بين اثنين لحظة الالتقاء عن طريق تبادل النظرات والكلام، ما يعزز التواصل ويخلق المودة والمحبة.

الحب هو توافق فكري وعاطفي وإنساني، وإذا حصل التقدير بين الطرفين فيكون الحب جميلاً وراقياً وثابتاً أمام ظروف الحياة، وهو إدراك للقيمة الإنسانية التي زرعها الله في القلوب، فيشعر الإنسان بأن حياته أجمل وذات معنى، وهو أساس الإحساس بالجمال والسعادة.


إن الحب ليس مجرد عاطفة بين رجل وامرأة، بل هو بؤرة التقاء المادي بالروحي والواقعي بالميتافيزيقي، ويمثل ثقافة مجتمع، وفلسفة خاصة في العلاقات الإنسانية، ومن هنا يأتي الحب العقلاني الذي يعتبر من أرقى أنواع الحب، وهو الحب القائم على التفكير العقلاني الدقيق، الذي يغلب عليه العقل بنسبة أكبر من العاطفة.

والحب الأفلاطوني هو أصدق وأسمى أنواع الحب وأجملها، إذ يقوم على الأحاسيس والمشاعر، والإعجاب بسبب الذكاء أو الفضيلة بدلاً من الانجذاب الجسدي، إذ يسمح بالتواصل على الصعيدين الروحي والعاطفي، ما يتيح ديمومة أكثر في العلاقة.

الحب الأفلاطوني كذلك هو ذلك الحب، الذي ينشأ بين العشاق الرومانسيين الذين يسمون بأنفسهم فوق رغبات الجسد وشطحات الجنس حين يهيمون بأنفسهم حباً لأطياف روح الحبيب ويجدون المتعة القصوى، بل ونشوتهم في العواطف الجياشة المتدفقة بالوجد والحنين القاتل، الذي لا يشبع ولا يرتوي أبداً.

وهناك الحب الشهواني القائم على فكرة حب الجسد، حيث الجمال الجسدي القائم على جمال الملامح وتقاسيم جسد المرأة، وهذا النوع من الحب لا يهتم إلا بما يشبع عينيه ويملأ حواسه الملموسة، ولا يهتم هذا النوع من الحب بجمال الروح أو التميز الأخلاقي، ويتركز على الرغبة الجنسية والملذات الجسدية.

إضافة لذلك نجد «الحب الجبراني»، الذي هو عفيف لكنه عاطفي، ولا يقوم على ضبط النفس وعدم الاهتمام بالمثيرات الجنسية، ولكنه يسعى إلى تحويل الطاقة الجنسية إلى قوة روحية، وفتح مساحات شاسعة من المتعة الخالية من الرغبة الجنسية.. فالحب عند جبران هو شوق يدفع الإنسان إلى الحصول على المعرفة والخير والجمال، ثم يرتقي إلى حب النفوس ثم حب ثمرة النفس وينتهي في آخر الأمر إلى حب المعرفة لذاتها.

يرى جبران أن الجنس هو جزء طبيعي من الحب، ولكن تلك الرغبة الجنسية ليست هي نهاية الحب، لأن الحب في نظره مصدر السعادة والنور، وهو الخبز المقدّس الذي يُغذي الروح ويحرر ويرفع، فلا يجوز بالتالي أن يُقيَّد، هو أقوى من الشرائع وأقوى حتى من الموت لأنه سر الحياة المتجددة عبر تناسخ الأرواح، فالحبُّ عند جبران حنين دائم لا ينقطع بعد الموت، بل إن النفس تمر كغيمة فوق جبال الأحزان، فتلتقي بنسمات الموت، فترجع إلى بحر المحبة والجمال.

لقد استطاع جبران أن يؤسس لوناً جديداً في الحب لا ينتمي إلى أي مدرسة في الصوت الذي يلمس شغاف العواطف والأحاسيس والأفكار، ويرتكز على فلسفة عميقة غنية تخرجه من القول الضحل الفاني إلى القول العميق الخالد، وهو شجرة الفرح ونور الحياة والشيء الذي لا يموت، وكذلك جوهر الحياة، ولا يعطي إلا ذاته، ولا يأخذ إلا من ذاته، ولا يملك، ولا يملكه أحد، فهو حسبه أنه الحب.

لقد مرَّ الحب الجبراني تدريجياً بكل ما عاشه جبران من الحب الجسدي إلى الحب الروحي والكوني، وهذا النوع من الحب يملك عناصر البقاء والخلود، لذا قال جبران: إذا أحب أحدكم فلا يقولن: «إن الله في قلبي، بل يقول، إنني في قلب الله».

للنشر والمساهمة في قسم الساحة :alsaha@alroeya.com

#بلا_حدود