الاثنين - 01 يونيو 2020
الاثنين - 01 يونيو 2020
IMG_٢٠٢٠٠٤٢٠_١٨٥٨٢٤ زمن جوجو
IMG_٢٠٢٠٠٤٢٠_١٨٥٨٢٤ زمن جوجو

زمن «جُوجُو» و»كَمامْبو» المقلوب

د. فضيلة ملهاق روائيَّة وشاعرة ـــ الجزائر

أسرعنا الخطى، خشينا أن يفوتنا وقت الطائرة، كان ثمن التأخير حياة إنسان ينتظرنا في مستشفى المدينة المجاورة، لأجل أن نزرع له قلبا على وجه الاستعجال، لم يكن يشغلنا سوى هذه العملية غير المسبوقة، المحفوفة بالمخاطر، التي يتلقّى بموجبها طفل صغير قلب شخص بالغ، لكنّ الأجواء التي صادفناها لفتت انتباهنا عنوة، وأوحت بوجود حدث مُميّز.

تحوّل المكان قاعة احتفالات باذخة: لائحات، وهُتافات، وأهازيج... طفحت لها نظرات البروفيسور نعمة بالفضول، وقالت:


ــ موكب زفاف.

لم تكد تكمل جملتها حتى ظهرت فتاةٌ، محاطةٌ برجال أشدّاء البنية، راحوا يُفسحون لها الطريق، وتحوّل الجمع إلى هبّة هزجين وهاتفين، إلى غاية السيارة الفخمة التي انطلقت بها، بعد أن نفخت لهم قُبلة في الهواء، وتركتهم عطشى للحديث إليها، وأخذ الصور معها.

فرقعت ضحكة السائق بشكل شجّعته لطماتُ الرّياح، وقال:

- عادت نجمة (هُزمُز)!

-هُزْ مُزْ؟! الأبحاث أبعدتني عن الواقع بسنة ضوئية!

بدا على نعمة الحرج، وهي تحاول أن تبرر له جهلها بتلك المسابقة، فأردف يشرح لها:

- فازت جوجو بأطْوَل تدويرة في مسابقة إقليمية، شارك فيها العشرات من الشباب الموهوبين!

- مسابقة يتنافس فيها المشارك على تحقيق أطول حركة هز للأرداف.. همستُ لها موضحة.

بدت وكأنها مُغيّبة عن عالمنا، وانشغلتُ أنا بوصول الطبيبين الآخرين، وقلت لهما ممازحة:

- جُمهورنا الوحيد غير وفي! أظنني لمَحْتُكُما بين ذلك الجمع تتقافزان كأسماك الأحواض!

جلجلت ضحكاتهما، وقال أحدهما مسايرا:

- مُهمّة مهنية بحتة!

- أي مُهمة تجمع بين جرّاح القلب معدوم الصِّيت، وجوجو العالمية؟!

- حرف الجيم!.. قال بتماكر.

تطلّع بعدها إلى حقيبة نعمة، وقال:

- حسب حقيبتك، أنتِ من العصر الجليدي المنقرض! أرأيت أمتعة جوجو! ألوان، وماركات ملابس...وعطور...! شتّان!

تلبدت سحنتها، لم تستسغ مزاحه، وأسرعتُ أنا إلى تقديمها:

- البروفيسور نعمة رائد!

تراخت تعابير وجهه عندما ذكرت له اسمها، وتسمرت نظراته في حقيبتها، أدرك أنها أشهر أطباء جراحة القلب في البلد، وأن في الحقيبة القلب المنتظر.

ساد بعدها صمت مهيب، شعرنا بالرهبة، وبقداسة وصعوبة المهمة التي تنتظرنا، ولم تنفرد أساريرنا إلا بعد أن نجحت العملية، وعُدنا بإنجاز غير مسبوق، تحدثت عنه جهات إعلامية وعلمية، وحتى سياسية أجنبية.. ودعتنا لزيارتها و.. ولم نجد في استقبالنا في مدينتنا غير سائق المستشفى، وبالمزاج الذي تركناه عليه ذاته، أشار إلى جموع المهرولين خلف شخص يُحيط به حُرّاسٌ، وميكروفوناتٌ، وكاميراتٌ، وأصواتٌ تتعالى من كل الجهات.. ثم ابتسم ابتسامة تستنطق الرغبة في المشاكسة، التي لمعت في عيني جراح القلب وأخصائي التخدير، وقالا دفعة واحدة:

- جوجو! مُصادفة ممتعة!

ضحكة السائق ضحكة تطاير لها رذاذ ريقه، وقال:

- يا حسراه! من أين تأتي جوجو بالوقت لتتنقّل عبر الخطوط الداخلية!؟ تمّ اختيارها سفيرة للنوايا الحسنة، هذا (كَمامْبو)، ألم تسمعوا عنه؟!

سأل باستغراب، ثم أضاف بغبطة إعلامي ينفرد بخبر:

- حصل على مليوني (لايْك) بسبب ظهوره في فيديو مميز على (اليوتوب)، وضع رأسه بين رجليه في حركة بهلوانية طريفة، وراح يسكب قارورة الماء على فمه، ويقول: «عِش بالمقلوب تتغيّرُ حياتكَ!» وهكذا، أصبح نجم البلاتوهات، وتم تكريمه من طرف جهات عليا، وتلقّى عروضا لتمثيل مدينته في المحافل الدولية.

- واو! وماذا لو تناول طَبقَ (المَقْلوبة) بالمَقلوب! أسيُكرّمه الشرق الأوسط!؟.. قال الجرّاح بنبرة مُشاكسة.

- سيفتحون له مطعم سبع نُجوم، بالمقلوب! هاها...ها! رد زميله مستنتجا، بينما ثبّتُّ أنا بصري في حقيبة نِعمة، التي عادت مُعبّأة بالتّقارير عن العملية، وقلت بحسرة:

- زمن بالمَقْلوب!
#بلا_حدود