الاثنين - 01 يونيو 2020
الاثنين - 01 يونيو 2020

العبور إلى ما يُراد

محمد عبدالله عبدالرحمن كاتب ـ الإمارات

منذ فجر التاريخ نجد لدى أغلب الأعراق والسلالات نزعة هي أشبه ما تكون بالفطرية نحو المعرفة، حيث هناك حاجة لتخصيص وقت معلوم من مشهدنا الزماني الحاضر للخلوة والتجرد من الرغبات الآنية والحسية، وتلك في حقيقتها نتيجة حتمية لإدراكنا العميق بأن تلك الرغبات ما هي إلا تعلُّقات وارتباطات شرطية نحن من ربط عقدها، فاقدين بتلك العقد جزءاً من مرونة وانسيابية كياننا الوجودي اللامتناهي.

وفي رمضان نرتقي في درجات الصمت المتعرجة مسترشدين بالكلمات.. إنه ذلك الاسترشاد، حيث يكمن المراد الحقيقي لكل لفظ بل لكل حرف، فمنذ معرفتنا بالكلمات أطفالاً ونحن نجنح إلى النزعة نحو امتلاك الكلمة، وعبره يكمن الامتلاء به.


في مسيرة التفكيك والتفصيل والتعريف والتأصيل، ضاع إحساسنا باللحن الأصلي للكلمة، وخمدت قدرتنا على الاستماع إلى الجرس الموسيقي المُوحي بالمعنى، الذي يعهده كل طفل يسمع كلماته الأولى ومن ثم ينطقها، وفي الصمت المطبق وحده يمكننا استرجاع تلك الموسيقى الخالية من التعاريف والتقييمات والمعايير، وكل ما يعكس الإرادات البشرية المتعلقة بتلك الكلمة، لنصل إلى ما يراد بدلاً من أن نبحث عن المراد.

إن رمضان بما يتيحه من مساحة مشروعة، ومرعية للوصول إلى ذلك الرنين الأصلي للكلمات عبر ذلك الاختبار الإنساني لقدرته على التحرر من عاداته، وانتزاع مساحة أكبر للغوص عميقاً في الروح، والتأمل المسترشد بالوهج الحقيقي لقاموس الكلمات، المفضي إلى قواميس تلو قواميس من الومضات المختلفة لكل كلمة، وعبر ذلك الجسر الانفرادي، يتسنى للفرد رؤية فرص إبداعية تحقق كل معنى تخيَّره، ليحقق ذلك الجزء الذي انكشف له من ذاته بحسب ما يراد.
#بلا_حدود