الاثنين - 01 يونيو 2020
الاثنين - 01 يونيو 2020

لقد صفا لنا الجو.. ولكِ

د. ثمامة فيصل كاتب وأكاديمي ـ الهند

كنت واقفاً في شرفة منزلي مع زوجتي قبل بضعة أيام، وأنا أستشرف على ما حولنا، إذ وقع نظرها على القمر، فاستغربت من شدة بهائه ورونقه، وقالت:

ـ ما أجمل القمر اليوم! لم أره هكذا من قبل.


وذكّرني كلامها بتشبيه شعرائنا لوجه الحبيب بالقمر في صفائه ووضاءته، كقول الخنساء في أخيها صخر:

أغرُّ، أزهرُ، مثل البدر صورته صافٍ، عتيقٌ، فما في وجهه ندبُ

فلاطفتها قائلاً:

ألم تسمعي ما يقوله لنا؟.. إنه يقول لنا: أنا أنا، لم أتغير ولم أفقد ضوئي ولمعاني أصلاً، بل تغيرتم أنتم وغيرتم كل شيء في هذا الكون، فبسببكم حالت بيني وبينكم حجب وأستار من التلوث والقتام، حتى جاء هذا الفيروس التاجي المستجد الذي تسبونه وتصِفونه خبيثاً، فانزاحت تلك الأستار قليلاً، وظهرت لعيونكم في أجمل شكل وأروع صورة، وأعرف أنكم وبعد فترة ستخرجون من عزلتكم، وتنشغلون بحياتكم، وستُشغلون عني كسالف أيامكم.

وفي صباح اليوم التالي، أيقظتني شقشقة الطيور وتغاريدها العالية من الشرفة نفسها، حينما كنت نائماً في الغرفة المجاورة لها، وكأنها تغني بأناشيد الحرية، وتحتفل بصفاء الجو، وتبشر بعضها بعضاً بما قاله الشاعر طرفة بن العبد في شعره المعروف:

يا لكِ مِن قُبَّرةٍ بِمعمرِ

خلا لكِ الجو فبيضي واصفِري

ورأينا أخيراً ما نقلته وسائل الإعلام من أخبار ومقاطع وصور لحيوانات برية تغلغلت الأحياء السكنية في مختلف المدن العالمية، الأمر الذي دل على أن هذا الوباء الذي رفع رأسه كجائحة ليأكل البشر كما تأكل النار الهشيم قد ظهر في الوقت نفسه كنعمة غير مترقبة للأحياء الأخرى الموجودة على ظهر الأرض، فما هو السبب؟.. لا بد أن نفكر في ذلك.
#بلا_حدود