الجمعة - 21 يناير 2022
الجمعة - 21 يناير 2022
No Image Info

العروبة.. وترويض الوطنية

اليث نالبانديان كاتب عراقي مقيم في فرنسا

بالنظر إلى التأريخ السياسي الحديث للمنطقة العربية، نجد أن مفهوم الوطنية خضع إلى اجتهادات تلاعبت بمشاعر البسطاء، فقد كثفت معظم الحكومات من حملات وطنية حقنت بها الشعوب بجرعات شعارات انتهازية تُطرب المسامع وتُكبل الأيادي، واستُثمرت لإلهاء الشعوب وتجييشها افتراضياً، فعوض بناء الإنسان ومؤسسات الدولة الحيوية.. لقد انكبت بعض دول المنطقة العربية على قولبة شعوبها بوطنية ظاهرية تلقينية، إذ غابت التربية الوطنية الصحيحة الداعية إلى الخير العام للإنسان، وأضحت مجرد مادة دراسية عاطفية تخضع لمعيار النجاح من عدمه.

وعلى خلفية ذلك، وبتراكم الأزمات عبر عقود، عانت، وما فتئت، شعوب المنطقة من صراعات مُدعي الوطنية وقيادات الضرورة وحماة الأعراض، شخوص نصّبوا أنفسهم أباطرة لا تُكسر كلمتهم ولا تُعصى أوامرهم، ففكرهم مقدس ورؤاهم راشدة وحكيمة وعميقة.


وحقيقة الأمر أن أولئك هم مجرد فقاعات أسهمت البيئة السياسية من جهة، والسذاجة الشعبية من جهة ثانية، في تقديس هالتهم، فأصبحوا رموزاً وخطوطاً حمراء وتيجاناً للرؤوس، وأورثوا الشعوب حروباً خاسرة رسخت التخلف، فباتت مجتمعات استهلاكية واتكالية بامتياز.

إن عروبة القرن الحادي والعشرين بحاجة إلى ترويض لوطنيتها، فمشاعر الانتماء تُحتم موالاة غير مشروطة، تضع مصلحة الإنسان فوق أي اعتبار آخر.

أما دورالنُّخب، اليوم، فيكمن في تربية أجيال تُحب أوطانها بأفعالها لا بمجرد كلام عقيم، لتؤسس رصانة وطنية موحدة، ولتجعل من الإنسان أولوية، وتعمل بقاعدة «صُن الإنسان وكرامته تُصن الأوطان»، فلا قيمة للوطن ومواطنيه بلا كرامة، فعيش الوطنية أسمى من المناداة بها.