الاحد - 20 يونيو 2021
الاحد - 20 يونيو 2021
No Image Info

المقهى.. مرفأ الذكريات

في تسعينيات القرن الماضي عرض التلفزيون المصري برنامج « حكاوي القهاوي» للمذيعة الراحلة «سامية الأتربي»، واشتهر بموسيقى التتر للموسيقار «يحيى خليل»، التي كانت تُعزف أيضاً منفردة على أمواج عدد من الإذاعات، وحقق البرنامج نجاحاً كبيراً، وظل إحدى أيقونات برامج رمضان لعدة سنوات، إذ تنزل المذيعة على المقاهي الشعبيَّة في سابقة لم تحدث في العمل التلفزيوني من قبل، لتحاور البسطاء عن حياتهم وأعمالهم.

وقبل سنوات قليلة عرضت إحدى القنوات الجزائرية سلسلة بعنوان «قهوة القُوسطو» أي «مقهى المزاج»، وقدمت فيها عروضاً تمثيلية للشباب، وحققت نجاحاً كبيراً في المشاهدة، ونجاحات للمشاركين، إذ تحوَّل لاحقاً عدد منهم إلى نجوم في المسرح والتلفزيون والسينما.. تذكرت هذين البرنامجين وأنا أقلب البوم الذكريات، وتزايدت لذي الرغبة في الكتابة عن المقهى، الذي أدين له بأن كان رفيقي في جميع مراحل حياتي، فقد لجأت إليه وأنا طفل لمتابعة مباريات كرة القدم وعدد من الأفلام والمسلسلات، يوم كان التلفزيون وقفاً على المقاهي، وكنت أدخله خلسة عن الوالد ومدير المدرسة، هذا الأخير الذي لم يكن يتوانى في تمشيط المقاهي، والبحث عن المتسللين إليها من التلاميذ، وتطبيق نظام معين من العقوبات.

كما قصدته للدراسة والمراجعة يوم فتح لنا «عمي مجيد»، رحمه الله، في البلدة مقهاه، بل جعل جزءاً منه «حرماً» للطلبة المقبلين على الثانوية العامة.. وألجأ إليه أيضاً كلما ضاقت عليّ الأرض بما رحبت، لأستعيد هدوئي النفسي والذهني، وأذهب إليه اليوم مرة أو مرتين في الأسبوع لأمارس طقوسي في الكتابة، وفي شرب القهوة والاستمتاع بنكهتها ورائحتها الأخّاذة.


ومن أحب المقاهي إلى قلبي تلك التي تقع بمحاذاة البحر، أفضل الجلوس بها لساعات مع فنجان قهوة، أسرح فيه بخيالي مع رائعة فيروز «شايف البحر شو كبير، كبر البحر بحبك...».

كما تستهويني مقاهي المدن بشرفاتها، أحبُّ الجلوس بها وخاصة في فصل الشتاء.. أراقب زخَّات المطر وهي تنساب على الزجاج لتشكل رسومات ولوحات سريالية، وأنا أدندن بصوت خافت، وعلى استحياء أغنية «على الحجار»:

لما الشتا يدق البيبان .. لمّا تناديني الذكريات

لما المطر يغسل شوارعنا القديمة والحارات ألاقيني جايلك فوق شفايفي بسمتين

مش جاي ألومك على اللي فات

ولا جاي أصحي الذكريات

لكني بحتاجلك ساعات لمّا الشتا يدق البيبان..

نحن في الجزائر لا نشرب إلا «الإكسبريس- «Café express، ومعها كانت لي هذه الواقعة، فعندما انتقلت للدراسة في مصر، وبمجرد وصولي إلى القاهرة نزلت في اليوم الثاني لتناول فطور الصباح، المتكون عادة من فنجان حليب وقطعة كرواسون، وختامه قهوة «إسبريسو أو إكسبريس»، تفاجأت حينها بعدم وجود الإكسبريس.

انطلقتُ هائماً على وجهي في شوارع القاهرة بحثاً عن مقهى يقدم الإكسبريس. عدت خائباً إلى الفندق، انزويت في غرفتي، واتخذت قراراً بالعودة في أول رحلة إلى بلدي.

وفي اليوم الثاني، تراجعت عن القرار بعد أن دلَّني زميل على مقهى «البومبو»، الذي كان يومها من المقاهي القليلة التي تقدم «الإكسبريس» في القاهرة.

صفوة القول، المقهى (الكوفي شوب أو الكافيه)، يمثل جزءاً من حياتي، وإن تعددت الأغراض من ارتياده، بين رغبة في الراحة، وبين رغبة في جلسة مع الأصدقاء، وبين رغبة في المطالعة أو في كتابة مادة صحفية، أو بين حنين إلى «كباية قهوة» تعويضاً عن كباية البيت، على حد قول الشاعر عبد الرحمن الأبنودي:

- «كباية شاي القهوة غير كباية شاي البيت خالص».

وأخيراً أجلس في المقهى عند الشعور برغبة في كسر وحدتي وجبر خاطري في غربتي، فأنزوي في إحدى الجنبات لأرتشف بمفردي فنجان قهوتي ولسان حالي يردد لمحمود درويش:

لديَّ ما يكفي من الذكريات لأشرب قهوتي وحدي في مقهى يظنّه الجميع فارغاً لكنه يغصُّ بالغائبين.
#بلا_حدود