الخميس - 01 ديسمبر 2022
الخميس - 01 ديسمبر 2022

«أيّام حُبّ مضت».. أسألها تعود

«أيّام حُبّ مضت».. أسألها تعود
قبل زمن لم أعد أعرف أمَدَه، حيث الشوق والانتظار، عرفت فتاة، والآن لا أذكر حتى اسمها، ولم يبقَ في ذاكرتي إلا وجهها، ولكنني أحببتها، والحب لا يعرف الزمان والمكان، بل لا يذكر الأسماء والوجوه.

تلك كانت هي بداية الحبُّ بجمالها.. ثم نما الحب بيننا فتعمقت المعرفة مصحوبة بالخوف والرجاء، وطغت العاطفة واستفحل الغرام، وقد كان حبها بحراً لا ساحل له، إلا أنني بقيت حزيناً، لأنني في البداية ما كنت أملك قلباً يعرف معنى الحب، ولم يذب في معانيه وجزئياته وتجلياته.

ثم ذاب قلبي في العشق والسعادة، وكتبت في ذاكرتي عبر سفر السحر الأعظم كلمات حب سحرية جديدة.. زُرعت في قرارة وجداني للأبد، وأزهرت حبّاً يكفي كل الدنيا.. لقد تشبعت كل خلية من خلايا حياتي بوقع الكلمات السحرية، وامتلأت نفسي نشوة لم أعرفها من قبل.


شبَّ حُبِّي، وسار ظلي في عالم اليقظة وفي عالم الأحلام أيضاً، ثم نزل على حُبِّي الصمت الطويل، وأحياناً ينطق الحب بالصمت، ذلك أن له رؤية واسعة، وكلما اتَّسعت الرؤية ضاقت العبارة، وغدَا الصمت لغةً تحوي كل اللغات.


ها هو الصمت يتواصل ويعبر الآفاق ويتجاوز المسافات، باعتباره حامِلاً للبلاغة، ولغة الأذكياء، ورسالة إنصات للوجود، وشعوراً فريداً يجتاح قلّة من الناس، فتتميز به عن الآخرين.

الحب يقتات على نبضات القلب لهفة وشوقاً، يحدث أحياناً شكوكاً ووساوس في النفس.. له قدرة عجيبة على التلاشي في داخل الجسم، فيعلِّي من قيم الوجود البشري، وهو بذلك لا يخضع لنواميس الطبيعة، ولا يعرف قواميس التقاليد، لأنه يرافق المحب في كل مكان، ويتخطى حدود الظلام والنور.

أردت أن أقبض الريح، وأن أُطوِّع الأمنيَّات، وأن أصنع الأحلام، وقد تمكنتْ حبيبتي من اختراع تمتمات سحرية، وتموجات مغناطيسية قادرة على الولوج بين العقل وإدراكه، وبين القلب وإحساسه، وبين الروح وخلجاتها، كما تمكنتْ باختراعها الفريد وبكلماتها الساحرة الاستثنائية من تغيير تاريخ الأحلام، وأن أفتن أنا بالعقول التي تملك الأحلام، ولو كانت أحلاماً صناعية، لا تعرف لذّة النوم، ولا نشوة التمني، ولا احتراق الانتظار، ولا سعادة التحقق.

مرت علينا الأيام حلوة، غير أنها خيبت آمالنا، ولم تبقِ فين إلا الأحلام، التي أصبحت وراءنا بعد أن كنا نراها أمامنا، والأحلام كما نعرف ذات طبيعية إدمانيَّة، مثل الأفيون المخدر الذي يحتاجه العوام، وهي لا يمكن أن تكون حقيقة إلاَّ فيما ندر.

في ليالٍ كثيرة هجرني النوم، فكنت أحاول إشغال وقتي بقراءة الرسالات التي كانت تكتب لي عبارات الحنين والشوق، كنت أشعر بلذة كبيرة لا يعرفها إلا من أتقن قراءة الإحساس والمشاعر.

لقد أفنيْتُ العمر في دراسة تلك الكلمات بفرح، لم أشعر به من قبل في حياتي، ومع ذلك لا يمكن لي التعبير عما ينبض به القلب من أحاسيس ومشاعر تفوق كل الكلمات، وعندما يصل الحب إلى هذه الدرجة الصافية يسكت اللسان، وتصبح لغة الحب الوحيدة هي الصمت.

بعد هذا أقول: أريد حبّاً واحداً يملأ ذاتي، يصهر أشواقي ووجُودي، يسكن ما بيني وبين جسدي، أريد حبّاً يقتلعني من أحزان جسدي، ووحدة ساعاتي.. أريد حبّاً قويّاً جبّاراً لا يعرف الألم.. أريد حبّاً يمسك بتلابيب روحي، ويزيل حشرجات دامية في نفسي.

أتمنّى اليوم لو كانت لي فرصة لأبعث إليها رسالةً يتضرع فيها قلبي ليذوق العشق الحقيقي، ولو مرة واحدة في الحياة، ولكن هل يعود الزمان؟ وهل تسمح لي الحياة بالرجوع إلى الماضي؟ وهل تعود أيام لذّتي وشبابي؟